والداعي ليس مطالبًا بتحقيق نصر الإسلام فهذا أمره إلى الله متى شاء أن يحدث حدث ، لكنه مطالب ببذل الجهد في هذا السبيل فحسب ، والرسل والأنبياء كانوا يخاطَبون بذلك (( فَإنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ ) ) [الشورى:48] ، فالعجلة والتسرع في قطف ثمار الدعوة، وتحصيل نتائجها كلها يتطلب أمرًا أساسيًا ألا وهو الصبر.
راشد حُسين آل عبد الكريم
1-تفسير السعدي ، ص468،ط1.
عبد الكريم علي الشهري
قال تعالى: (( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) ) [ العنكبوت:2] } وقال: (( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) ) [الإسراء:15] }، ففي حال سنة الله - عز وجل - القائمة وهي سنة الابتلاء والامتحان هناك تنبيه منه - جل وعلا - يقرر في النفوس الضعيفة التي لا تجيد فن الانقياد لله والسيطرة على نفسها تنبيه بأنه ولا تزر وازرة وزر أخرى"فالمحاسبة فردية والعقاب لا يتحمله أحد عن أحد مهما كانت قوة النسب، وأشار إلى أنه (( وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ) ) [مريم: 95] }، فإذا كان هذا حال الوقوف بين يدي الله - عز وجل - إذًا لا عذر لمن يتبع غيره في أمر من الأمور، إنما النفس هي المحاور الوحيد أمام رب البرايا - جل وتبارك - وكلهم آتيه يوم القيامة فردا لا مجال للتهرب فالذي أقَرّ البلاء سنة على الخلق هو الذي سيحاسب كلًا حسب عمله وصبره وجهاده لنفسه، وليس هناك مجال للتسويغ أو التجاهل؛ فالقضية جادة غاية الجد."
هناك ابتلاء وامتحان، المؤمن معرَّض له في ماله أو في أهله أو في قلبه ضريبة للإيمان، وهناك في المقابل حساب فردي دقيق يحتاج إلى استعداد وإصلاح للقلوب: (( يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم ) ) [ {الشعراء: 88-89] } ، فالقلوب تحتاج إلى تخلية من الأمراض الفتاكة: كالحسد، والحب في غير الله - جل وتبارك - وغيرها من الأمراض، ثم تحلية بالإيمان، والإخلاص، وحينها تكمل السعادة وتتحقق، والله! إنه: (( ما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) ) [ فصلت:35}] .
سعود الشريم ... ... ...
الخطبة الأولى ... ... ...
أما بعد:
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ـ عز وجل ـ، التي هي معتصم عند البلايا، وسلوان في الهم والرزايا، واعلموا ـ حفظكم الله ورعاكم ـ أن الابتلاء سنة ربانية ماضية، هي من مقتضيات حكمة الله ـ سبحانه ـ وعدله، متمثلا وقعه بجلاء، في الفقر والغنى، والصحة والمرض، والخوف والأمن، والنقص والكثرة، بل وفي كل ما نحب ونكره، لا نخرج من دائرة الابتلاء وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168] . وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال.
عباد الله، العاقل الحصيف يجب عليه حتما أن يوقن، أن الأشياء كلها قد فرغ منها، وأن الله سبحانه، قدر صغيرها وكبيرها، وعلم ما كان وما سيكون وأن لو كان كيف يكون، وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَىْء [الأنعام:38] . قال رسول الله: (( أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب قال: رب وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ) ) [رواه أبو داود] [1] .
فالمقادير عباد الله كائنة لا محالة، وما لا يكون فلا حيلة للخلق في تكوينه، وإذا ما قدر على المرء حال شدة، وتكنّظته الأمور، فيجب عليه حينئذ أن يتزر بإزار له طرفان: أحدهما الصبر، والآخر الرضا، ليستوفي كامل الأجر لفعله ذلك، فكم من شدة قد صعبت، وتعذر زوالها على العالم بأسره، ثم فرج عنها بالسهل في أقل من لحظة.
قيل للحسن: يا أبا سعيد، من أين أتي هذا الخلق؟ قال: من قلة الرضا عن الله؟ قيل: ومن أين أتى قلة الرضا عن الله؟ قال: من قلة المعرفة بالله.
ولما جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج ليقتله، بكى رجل فقال له سعيد: ما يبكيك؟ قال: لما أصابك. قال سعيد: فلا تبك إذا، لقد كان في علم الله أن يكون هذا الأمر، ثم تلا: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا [الحديد:22] .
(1) - مجلة البيان - (ج 143 / ص 138) -المنتدى