فهرس الكتاب

الصفحة 880 من 1236

وفي سنة 702هـ بدأت أخبار وصول التتار (هكذا تسميهم المصادر الإسلامية، وهم المغول) إلى شمال بلاد الشام تصل إلى أسماع أهل دمشق، فتهيأ الناس للهرب، وسيطر الذعر والخوف عليهم، وفكروا في الذهاب إلى مصر أو إلى اليمن، ولكن ابن تيمية كان يدور عليهم ويثبتهم، ويطلب منهم البقاء، ويشجعهم ويقول لهم: سننتصر هذه المرة، ويذهب إلى سور المدينة يشجع الجنود ويقرأ عليهم آيات الجهاد، ويقول للمسؤول عن القلعة: لو سقطت حجرًا حجرًا فلا تسلمها، وأجمع قادة المدينة وعامتها على أن يذهب ابن تيمية إلى عاصمة الدولة (القاهرة) للطلب من السلطان محمد بن قلاوون النصرة والدفاع عن بلاد الشام، وفعلًا توجه ابن تيمية إلى مصر وأقنع السلطان بضرورة المواجهة مع التتار واجتمعت الجيوش المصرية والشامية في جنوبي دمشق، ولكن برزت مشكلة فقهية. إذ قال الناس (وبعض الفقهاء) كيف نحارب هؤلاء التتار وهم مسلمون؟ فقال لهم ابن تيمية: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليّ - رضي الله عنه - ـ وقال لهم: إن كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه ـ يجب قتالها، وإن تكلموا بالشهادتين ـ وقال: لقد شاهدنا عسكرهم (التتار) فرأينا جمهورهم لا يصلي وهم يقاتلون على ملك جنكيزخان ويقدسون تعاليمه، وإذا رأيتموني والمصحف على رأسي في ذلك الجانب (مع التتار) فاقتلوني، فاطمأن الناس وتشجعوا، ووقعت المعركة في مكان يسمى (شقحب) يبعد عن دمشق جنوبًا حوالي (36 كم) وخرج ابن تيمية وأصحابه للجهاد، وحضروا المعركة وطلب السلطان من الشيخ أن يكون معه أثناء القتال (مع الجيش المصري) فقال له: السنة أن يكون المرء تحت راية قومه (أهل الشام) وانتصر المسلمون انتصارًا عظيمًا، وتمزق الجيش المغولي، ودخل ابن تيمية ومعه أصحابه دمشق واستقبل الأبطال، ولكن الشيخ يعلم أن الأمر لم ينته بهزيمة التتار، فهناك الأعداء في الداخل، الذين كانت لهم صلة بالتتار وكانوا جواسيس لهم، وهم من الفرق المنشقة عن الإسلام، لا يقيمون صلاة ولا صيام ولا يخضعون للدولة الإسلامية، فقرر الشيخ مهاجمتهم في دارهم، فأخذ فرقة من الجيش واتجه نحو جبال كسروان (ما يسمى جبل لبنان اليوم) لتأديب هؤلاء الخونة الباطنيين، ولحقه بعد ذلك نائب السلطان في دمشق مع فرقة أخرى، وانتصر الشيخ مرة ثانية وتاب عدد من هؤلاء، وألزمهم بإقامة الصلاة وبناء المساجد ولكن هل استراح الشيخ بعد هذا الجهاد؟ ليس من طبيعته ذلك، فالإصلاح الداخلي هو الأهم.

صالح آل الشيخ

(1) يُصيبُ اللهُ - جل وعلا - أمةَ الإسلام بما يصيبُها بسببِ ذنوبها تارةً، وابتلاءً واختبارًا تارةً أخرى.

(2) يُصيب اللهُ - جل وعلا - الأُممَ غيرَ المسلمةِ بما يصيبُها إما عقوبةً لما هي عليه من مخالفةٍ لأمرِ الله - جل وعلا - وإما لتكون عبرةً لمن اعْتَبَرَ، وإما لتكونَ ابتلاءً للناس، هل يَنْجَوْنَ أو لا يَنْجَوْنَ؟ قال اللهُ - تعالى: (فَكُلًا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .

وهذا في العقوباتِ التي أُصِيبَتْ بها الأُممُ، العقوباتِ الاستئصاليةِ العامةِ، والعقوباتِ التي يكونُ فيها نكايةٌ، أو يكونُ فيها إصابةٌ لهم.

(3) تُصاب الأمةُ بأن يبتليَها اللهُ بالتفرُّقِ فِرَقًا، بأن تكونَ أحزابًا وشِيَعًا؛ لأنها تركتْ أمرَ الله - جل وعلا -.

(4) تُصاب الأمةُ بالابتلاء بسببِ بَغْيِ بعضِهم على بعضٍ، وعدمِ رجوعِهم إلى العلمِ العظيمِ الذي أنزله اللهُ - جل وعلا -. قال الله - تعالى - فيما قصَّه علينا من خبر الأُمَمِ الذين مَضَوْا قبلَنا: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) . وقال - سبحانه: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) . عندَ أهلِ الكتابِ العلمُ النافعُ، ولكن تَفَرَّقُوا بسببِ بَغْيِ بعضِهم على بعضٍ، وعدمِ رجوعِهم إلى هذا العلمِ العظيمِ الذي أنزلَه اللهُ - جل وعلا -، تَفَرَّقُوا في العملِ، وتركُوا بعضَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت