فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 1236

وحقا لقد كانت الأولى رجعة إلى النفوس , وكانت الثانية نكسة على الرؤوس ; كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب . . كانت الأولى حركة في النفس للنظر والتدبر . أما الثانية فكانت انقلابا على الرأس فلا عقل ولا تفكير . وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو الحجة عليهم . وأية حجة لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون ?!

ومن ثم يجبههم بعنف وضيق على غير عادته وهو الصبور الحليم . لأن السخف هنا يجاوز صبر الحليم:

(قال:أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم ? أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ?!)

وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدر , وغيظ النفس , والعجب من السخف الذي يتجاوز كل مألوف .

عند ذلك أخذتهم العزة بالإثم كما تأخذ الطغاة دائما حين يفقدون الحجة ويعوزهم الدليل , فيلجأون إلى القوة الغاشمة والعذاب الغليظ:

(قالوا:حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) . .

فيالها من آلهة ينصرها عبادها , وهي لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا ; ولا تحاول لها ولا لعبادها نصرا !

(قالوا:حرقوه) ولكن كلمة أخرى قد قيلت . . فأبطلت كل قول , وأحبطت كل كيد . ذلك أنها الكلمة العليا التي لا ترد:

(قلنا:يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) . .

فكانت بردا وسلاما على إبراهيم . .

كيف ?

ولماذا نسأل عن هذه وحدها . و (كوني) هذه هي الكلمة التي تكون بها أكوان , وتنشأ بها عوالم , وتخلق بها نواميس: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له:كن فيكون) .

فلا نسأل:كيف لم تحرق النار إبراهيم , والمشهود المعروف أن النار تحرق الأجسام الحية ? فالذي قال للنار:كوني حارقة . هو الذي قال لها:كوني بردا وسلاما . وهي الكلمة الواحدة التي تنشيء مدلولها عند قولها كيفما كان هذا المدلول . مألوفا للبشر أو غير مألوف .

إن الذين يقيسون أعمال الله سبحانه إلى أعمال البشر هم الذين يسألون:كيف كان هذا ? وكيف أمكن أن يكون ? فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين , واختلاف الأداتين , فإنهم لا يسألون أصلا , ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلا . علميا أو غير علمي . فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلا . ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين البشر ومقاييس البشر . وكل منهج في تصور مثل هذه المعجزات غير منهج الإحالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه , لأن أعمال الله غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود .

إن علينا فقط أن نؤمن بأن هذا قد كان , لأن صانعه يملك أن يكون . أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام ? وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار . . فذلك ما سكت عنه النص القرآني لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود . وليس لنا سوى النص القرآني من دليل .

وما كان تحويل النار بردا وسلاما على إبراهيم إلا مثلا تقع نظائره في صور شتى . ولكنها قد لا تهز المشاعر كما يهزها هذا المثل السافر الجاهر . فكم من ضيقات وكربات تحيط بالأشخاص والجماعات من شأنها أن تكون القاصمة القاضية , وإن هي إلا لفتة صغيرة , فإذا هي تحيي ولا تميت , وتنعش ولا تخمد , وتعود بالخير وهي الشر المستطير .

إن (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) لتتكرر في حياة الأشخاص والجماعات والأمم ; وفي حياة الأفكار والعقائد والدعوات . وإن هي إلا رمز للكلمة التي تبطل كل قول , وتحيط كل كيد , لأنها الكلمة العليا التي لا ترد !

(وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) . .

وقد روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب"بالنمرود"وهو ملك الآراميين بالعراق . وأنه قد أهلك هو والملأ من قومه بعذاب من عند الله . تختلف الروايات في تفصيلاته , وليس لنا عليها من دليل . المهم أن الله قد أنجى إبراهيم من الكيد الذي أريد به , وباء الكائدون له بخسارة ما بعدها خسارة (فجعلناهم الأخسرين) هكذا على وجه الإطلاق دون تحديد !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت