وثمّةَ جبهاتٌ يقتضيها شمولُ الإسلام تجِب مراعاتُها عند نُشدانِ الرّقيّ، أهمُّها جبهَةُ الأخلاق والسّلوك والتنمِية والعلم والتّعليم.
وأمامَ العامِلينَ المخلِصين لأمّتهم ميدانٌ رَحب للرقيِّ بأمّتهم ودفع السوء عنها، وإنَّ وعد الله حقٌّ آتٍ لا محالة، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] .
بارَك الله لي ولكُم في الكتابِ والسّنّة، ونفَعنا بما فيهما منَ الآياتِ والحِكمة، أقول قولي هَذا، وأستغفِر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحدَه وبعد: أيّها المسلمون، إنَّ مِنَ المبشِّرات والمحفِّزات أنَّ الأمّةَ مزوَّدَة بدينٍ عصِيٍّ على الفناء، له قدرةٌ على بعثِ الروح الهامِدَة وتجديدِ الأسمالِ البالية، وتِلك وعودُ لله في الكتابِ والسنة، وهي ما زالَت تستَشفي من سقامها، وتنتَقِل في مراحل العافيَة من طَورٍ إلى طور، وتحاول أن تستعيدَ قواها كلَّها، وتستأنفَ أداءَ رِسالتها الأولى، وأُرَاها بإذن الله بالغةً ما تحِبَّ.
ومع تفاقُم المحَن ترى في طيّاتِها المِنَح، وسننُ تقضِي سقوطَ الطغيانِ والاستبداد والاستعلاءِ بالظلم والفساد، {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] . وفي سورَةِ يوسف وفي أَطواءِ فصولٍ مُثيرة منَ الغربة والسّجن والإغرارِ والظّلم يبرُز قانونان جليلان، الأول: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] ، والثّاني: {وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ} [يوسف: 87] . ففي الآيةِ الأولى نهجٌ صارِم في الاستقامة على التّقوى الصبرِ والإحسان، وفي الأخرَى الاستنادُ إلى الله في ارتقابِ مستقبَلٍ أفضل مهما أظلَمَت الآفاق في مرأَى العين، فهل تتِمّ تنشِئَةُ الأمة على هذه القواعدِ؟!
هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز شأنه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56] .
اللهمّ صلّ وسلِّم وبارك على عبدِك ورسولِك محمّد...
من أنواع الصبر: الصبر في دعوة الناس، وهو على نوعين:
* صبر على أذاهم..
* وصبر على استجابتهم.
وأحسن الصبر وأعظمه أجرا ما تعرض له الإنسان اختيارا ورضا، دون ما وقع عليه من غير اختيار، ومثله أن يسلك طريق الإصلاح والدعوة إلى الله - تعالى -، فيناله حينذاك من الأذى ما يناله، بسبب إعراض الناس أو بطئهم في الاستجابة، وبسبب أذاهم وصدهم.
فهذان النوعان من الأذى لازمان لكل من تصدى لدعوة الناس إلى سبيل الله - تعالى -، فعليه أن يوطن نفسه على ذلك، حتى لا يضجر من طول الطريق، وصعوبة الإصلاح، فإن عدم فهم هذا يتولد عنه الاستعجال للنتائج، وإذا لم تتحقق ربما وقع في أشياء تضره وتضر الدعوة، بل ربما خرج عن الاتباع إلى الابتداع، وصار وبالا على الإسلام وأهله، وارتكب أخطاء ونسبها إلى الإسلام، والإسلام منها بريء، كقتل من لا يستحق القتل، من المسلمين، ومن النساء والأطفال والشيوخ ومن ليس بمحارب من الكفار.
يقول الله - تعالى: {قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين * وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين * إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} .
هذه الآيات تضمنت أصولا دعوية عدة، هي:
أولا: أن الداعية إلى الله - تعالى -يحزن إذا لم يلق استجابة..
{قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} ، قال: يحزن. ولم يقل: يحنق، ويحقد.
وهذا أصل كبير من أصول الدعوة، فإن المبتغي صلاح الناس وهدايتهم، يفرح إذا استجابوا، ويحزن إذا أعرضوا، لأن دعوته قائمة على النصح لهم، والتجرد من حظوظ النفس، ومن كان هذا حاله فإنه يحزن إذا أعرضوا خوفا عليهم، وألمًا أن يعصى الله - تعالى -، بخلاف الطالب حظ نفسه، فإنه إذا لم يجد استجابة حنق وحقد. وهذا أمر ينبغي على كل من تحمل هم هذا الدين أن يتنزه عنه، وأن يبحث في خاصة نفسه، فينظر هل عمله ودعوته لله - تعالى -، أم لحظ نفسه؟.