فهرس الكتاب

الصفحة 1185 من 1236

عبادَ الله، ولم تواجِه أمّةٌ من الأمَم كما واجهت أمّة لإسلام، خصوصًا في العصر الحاضر، في زمنِ عولمة المبادئ والفكر وهيمنةِ القوّة على القِيَم، تهدَّد أمَمٌ بالذّوبان وشعوب بالضّياع، {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] .

ولقد كانتِ المؤامرات في السّابق تُحَاك ضدَّ الإسلام وأهله، أمّا اليومَ فلا مؤامرات، بل هي حرب معلنةٌ تحرِّكها أحقاد الماضي وأطماعُ الحاضر والمستقبل، في حالٍ وصلت فيه أمّة الإسلام إلى مرحلةٍ واهنة، أصبحَ فيه الصراع صراعَ بقاء أو اضمحلال. وحالُ المسلمين اليوم ليسَ بحاجةٍ إلى شرح أو تصوير، والتباكي على واقع الأمة لن يجديَ شيئا، إنما المجدِي هو التفكير الجادّ في سببِه وعلاجه ودائِه ودوائه، ثم السعيُ الصادق المخلِص لإصلاح النفس والمجتمَع لإصلاحِ الأمة كلِّها.

أيّها المسلمون، إنَّ التنظيرَ للأمة ليس بالأمر الهيِّن، والتطبّب بعلمٍ وبلا علم في جسَد الأمة المثخَن ليس كلأً مباحًا لكلِّ أحد، ولقد خاض في لجّةِ هذا الأمر ألوفُ الأفراد والجماعات، كلُّهم يرى أنه الطبيب المداوِي، فمخطئٌ ومصيب، ومغرِب ومقارب، والحقُّ أنّ أمةً قامت برسالةٍ ذات معالم وحضارَة ذات مبادئ لن تنهَضَ من عثرتها ما لم تعُد لذات الرسالة وتترسَّم السننَ الإلهية والقواعد الربانيّة في قِيام الأمم وتعثُّرها ونهوض الدول وسقوطها، وكلُّ ذلك مبثوثٌ في القرآنِ العظيم.

أيّها المسلمون، لا يجادِل عاقلٌ في أثر الأعداءِ في تحطيم الأمة والنّيل منها والكيدِ لها والتربُّص بها، إلاّ أنَّ هذا في ميزانِ السنَن ليس هو السبَب الرئيس في الوضع التعِيس الذي وَصلت إليه كثيرٌ من أحوال المسلمين. إنَّ هنالك قانونًا إلهيًّا يجب نصبُه أمامَ العين: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] ، {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] .

إنَّ الصّحابةَ الأبرارَ الذين يقدِّمون أعناقَهم وأرواحهم في سبيلِ الله ويقاتلون بجِوار رسولِ الله تحوَّل نصرُهم في غزوة أحُد إلى هزيمة؛ بسبَبِ مخالفة قلّةٍ منهم في أمرٍ تأوَّلوا فيه، فنزل الرماةُ من الجبل وقد نهاهم النبي عن النزولِ، لكنّهم ظنّوا المعركةَ قد انتهت. فهل تقيس الأمة اليومَ مخالفاتها بهذا المقياس؟! لقد صدق الله: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} . إنَّ سنَنَ الله لا تحابي أحدًا، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج: 40] .

عبادَ الله، إن حرثَ الدنيا وعلومَها أمر مشتَرَك بين شعوبِ الأرض من شرقها لغربِها، لكنَّ رسالةَ هذه الأمة من نوعٍ آخر، لا قيام لها بدونه، ولا سعادةَ للبشرية إلا بهديِه، إنها رسالةُ السماء ودين الله الخاتم، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] ، فهل قامت الأمّة اليومَ برسالتها حتى تستحقّ أن تقودَ العالم؟! إنَّ دين الإسلامِ ليس ضمانًا للآخرة فحسب، بل هو سببُ بقاء الأمّة في الأرض وإثبات هويتِها، وإلاّ فليست بشيء دونَه. ومِن خيانة الأمة أن تبردَ عاطفتها تجاه حقوق الله، وأن تجعلَ حبَّها وبغضها مرتبطًا بمصالحها لا بمبادِئها. وإنَّ الأعداءَ كَسبُوا معارِكَهم حين أفلح الغزوُ الثقافيّ في الإبحار بفئامٍ من الأمة بعيدًا عن دينهم، وتهوين قِيَمه ومثُلِه وأحكامِه أمام أعين أبنائِه، وحين أفلح في صنعِ جيلٍ يُقاد من غرائزه ويُغرَى بعبادةِ الحياة الدنيا وينسى ربَّه وآخرتَه.

عبادَ الله، لسنا أوّلَ أمةٍ ابتُلِيت وفُرِض عليها أن تكافحَ لتحيا كما تريد، وإنَّ الهزيمة تجيء من داخلِ النفس قبل أن تجِيء من ضغوطِ الأعداء. ولما أمَرَ الله بني إسرائيل بدخولِ الأرض المقدَّسة ووعدهم بالنصرِ إن هم دخلوا كما أمرَ أبوا وتعلَّلوا بقوّة العدوّ، فلم يستحقّوا دخولَها، بل كتب الله عليهم التّيهَ أربعين سنَة، حتى انقرَض الجيل الواهن الخامِل، ونشأَ جيلٌ جبَلته المعيشةُ بين الجبال أن يكون مثلَها في علوّ همّته وقوّة بأسه وثباتِه.

أيّها المسلمون، إنه يمكن تصوّرُ تضامنٍ إسلاميّ ناجح إذا التفَّ الرعاة والرعية حولَ كتاب الله وسنّة رسوله، وارتَقَى العقل إلى مستوَى الشمول في القرآنِ العظيم، وسارَ علَى هديِ الوحي. والعملُ للوحدة الإسلامية شرفٌ باذِخ ومجد شامخ، لم يفلِحِ الأعداء في النيلِ من الأمة إلا حين تفرَّقت وتمزَّقت. يجب على المسلمين أن يدرِكوا هذه الحقيقة، وأن يستضيئوا في نهضَتِهم بالوَحي، ويلتَزِموا شرائعَ الإسلام وشعائرَه، وعليهم مع ذلِك كلِّه أن لا يغفِلوا الأخذَ بالأسباب المادّيّة، والتي هي من سنَنِ الله في الكون، وأن يستفِيدوا من تجارِبِ الأمم حولَهم، وما أصلَحَ بعضَ جوانب دنياهم يمكِن أن يصلِحَ جوانبَ مِثلها من دنيانا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت