وهكذا الحال بالنسبة إلى الإهانة التي تلحق بالانسان، والتسليم الذي يجب عليه لقيادته ولو في أمور بسيطة.. فهذه كلها إمتحانات متدرجة متصاعدة حتى يحل يوم الإمتحان العسير. فان كنا نريد حقًا النجاح النهائي، فلا بد من أن نفكر بالنجاح منذ البدء.
وللأسف فإنّ البعض يريد الإمتحانات السهلة، ولكن النتيجة الفاشلة ستظهر في الامتحان النهائي، وهذه هي المشكلة الحقيقة التي يواجهها الانسان. أما المؤمنون فانهم يحبون أشق الأعمال على أنفسهم، لأن كل عمل من هذه الأعمال يستتبع تغيّرًا في الجوهر الداخلي للنفس. فكل إمتحان يغيّر جزء من النفس، وفي النهاية يصبح التغيير كليًا. فعلى الانسان أن لا يكتفي بتغيير الجوانب الخارجية، بل عليه أن يغيّر الجوانب الداخلية أيضًا، وأن يفتش عن أسلوب شاق لتغيير نفسه.
إن النفس لا تتغير من خلال أمور ثانوية بسيطة، وهي تشبه الى حد كبير الفولاذ الذي إذا أردت أن تغيره، فلا بد من أن تجعله في بوتقة شديدة الحرارة، وتعرّضه للطرقات الشديدة، لكي يتغير بشكل تدريجي.
وإذا ما وجدنا قلوبنا غير قابلة للتغيير، فلنعلم أنها قاسية، وان قساوة القلب لا تدع الإيمان ينفذ الى أعماق الإنسان، بل يبقى طافيًا على السطح. وبهذا الايمان السطحي لا يمكننا أن نقاوم الشيطان، والإغراءات والإرهاب.. ولذلك فان على الانسان ان يفكر في كيفية تعميق الايمان في قلبه، وسيهتدي حتمًا إلى ان الطريقة الوحيدة الى ذلك هي التعرض للمشاكل الصعبة، والإمتحانات العسيرة، والخروج منها بسلام.
ولا يغيب عنا إنّ أمامنا دربًا طويلًا، ومسؤوليات كبيرة، وتطلعات سامية، وأهداف كبيرة ونحن نؤمن بأن الله عز وجل أنعم علينا بنعمة الإسلام العظيمة. فالمطلوب منا - إذن - أن نجعل تقوية إيماننا وتعميق، وتكريس المفاهيم الإسلامية في عمق واقعنا من أولويات حياتنا. وبهذا الأسلوب وحده سوف يمن الله تبارك وتعالى علينا بالغلبة، ونضمن من خلال التوكل عليه إستقامتنا. وإذا ما ضمنّا إستقامتنا، فاننا سنكون بإذن الله عز وجل أصحاب الجنة التي وعد بها المتقون.
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ الْسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ((فصلت/30-35)
أن تصل القمة فذلك أمر صعب، ولكن أن تبقى فوقها فذلك أمر أصعب؛ وأن تكون إنسانًا نشيطًا حيث تتجاوز الكسل والضجر وتتغلب على الوساوس الشيطانية فذلك أمر عظيم، ولكن الأمر الأعظم منه هو الإخلاص في هذا النشاط والعمل.
ومن هنا؛ يحدثنا ربنا سبحانه وتعالى في سورة هود المباركة عن الاستقامة باعتبارها الموضوع الأهم في حياة الإنسان المؤمن، وباعتبار أنها تمثل الذروة في وصول المرء الى السعادة الأبدية. كما يضرب الله لنا الأمثال في ذلك، وأهمها الحديث عن الصعاب الكبيرة التي تعرَّض لها الرسل والأنبياء أثناء تبليغهم رسالة السماء الى أممهم. ففي هذه السورة المباركة حديث مفصّل عن شيخ المرسلين نوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنةٍ إلاّ خمسين عامًا يدعوهم الى دين الله القويم، حيث عاصر أجيالًا تبعتها أجيال، وكلها كفرت به وبرسالته، وتعرَّض خلالها هذا النبي العظيم إلى ألوان الأذى والشماتة، ولكنه صبر واستقام، بل لم يزده أذى المشركين له ولمن تبعه إلاّ صمودًا وإصرارًا على تبليغ ما أُمر به.
الاستقامة ثمن الجنة
يقول تبارك اسمه في خطابه لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله: ( فَاسْتَقِمْ كَمَآ اُمِرْتَ((هود/112) ثم يضيف: ( وَمَن تَابَ مَعَكَ ( ليعلم أنه ليس كل الناس قادرين على الاستقامة، بل فيهم الكثير ممن يسقط.