فهرس الكتاب

الصفحة 1155 من 1236

بلى؛ الجنة لا يمكن أن يدخلها الإنسان الحسود، الحقود، الضعيف الارادة؛ بل يدخلها من اُوتي الارادة القوية والشجاعة والإقدام لتحدي عقبات الطريق، ومشاكل الحياة؛ كما قال الله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ((الاحقاف/13-14) .

والقرآن الكريم يعطي للانسان مقياسًا واقعيًا لتمييز أصحاب الجنة من أصحاب النار؛ فهو يصف أصحاب الجنة بأنهم مستقيمون على إيمانهم رغم قساوة الظروف، وضغط الدنيا، ومصاعب الإستقامة. علمًا بأنه ليس كل إنسان لديه القدرة على الإستقامة، فقد يكون والدك هو الذي يخالفك كما خالف أبو النبي إبراهيم خليل الله، وقد يكون عمك هو الذي يعارضك ويقف في وجهك كما فعل ذلك أبو لهب بالنسبة الى النبي صلى عليه وآله، وقد يكون هذا العدو متمثلًا في نظام الحكم الذي تعيش فيه والذي قد يمارس ضدك الضغوط المختلفة.. وفي هذه الحالة فقط سيكون بإمكانك دخول الجنة، كما يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(.(الاحقاف/13-14)

أما إذا بقيت ولو ذرة من سلبيات الدنيا ورواسبها في نفس الانسان، فانه سوف لن يدخل الجنة الا بعد ان تسقط عنه تلك الذرة.

وقد جاء في الدعاء المأثور:"بك أستجير يا ذا العفو والرضوان من الظلم والعدوان، ومن غِيَرِ الزمان، وتواتر الاحزان، وطوارق الحدثان، ومن انقضاء المدة قبل التأهّب والعُدّة". (1)

فالخطر يكمن في مفاجأة الموت للانسان قبل أن يستعد ويتأهب له.

حتى نكون من أصحاب الجنة

والسؤال المهم المطروح في هذا المجال هو: كيف يتسنّى لنا الحصول على نفسية أصحاب الجنة مع ما نواجه من ضغوط؟ فغواية الشيطان، وأهواء النفس، وإغراءات الدنيا بالاضافة الى ضعف الانسان، كل ذلك يمثل عقبات تقف في طريق الانسان، وتمنعه من أن يكتسب تلك القوة النفسية. فكيف السبيل الى ذلك ؟

إن على الانسان أن لا يكتفي بتغيير النواحي الظاهرية من حياته ولا شكله الخارجي، فمثل هذا التغيير - وان كان مطلوبًا - ليس هدفًا، بل هو جسر الى التغيير الأساسي، وهو تغيير النفس.

وللأسف فان البعض يتصور أنه قادر على تحدي الضغوط عندما تواجهه، ولكن على الانسان ان لا يضمن تحقق مثل هذا التصور والإطمئنان إليه من دون إمتحان. فعند الإمتحان يعرف الانسان مدى قدرته على التحمل. فكثيرًا ما يكون الإرهاب أو الإغراء سببًا للانحراف ذلك، لأن النفس لم تتلق التربية الصحيحة.

وعلى سبيل المثال فان الانتظار الطويل هو إمتحان للانسان، فقد يتصور أحدنا ان التغيير من الممكن أن يتحقق خلال فترة قصيرة، ولكن الانتظار يطول،فيتعب وينهار، ويوسوس إليه الشيطان قائلًا: متى نصر الله ؟ حتى يصل أخيرًا إلى مرحلة اليأس.

وعلى هذا فان القضية الأساسية ليست هي تغيير المظاهر؛ فكل إنسان باستطاعته أن يغير الظاهر، ويعوّد نفسه على الالتزام به. إلاّ أن تغيير الداخل يبقى هو الأساس في رسم شخصية الإنسان.

كيف نضمن الاستقامة؟

ولكن كيف نضمن الاستقامة؟

إن الله تعالى رحيم بالانسان، ويعلم ضعفه وجهله وظلمه لنفسه، وقد أخبر سبحانه عن ذلك في الذكر الحكيم، إذ قال: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا((الاحزاب/72) ، وقال: (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا((النساء/28) و (كَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا((الكهف/54) .

إن الغرور والجهل والظلم الذاتي صفات شائعة في الانسان، ولأنَّ الله رحيم بنا فقد أراد لنا أن نبلغ القمة عبر خطوات ومعارج، ولم يأمرنا أن نقفز الى هذا القمة بشكل مباشر. فهو يعلم إن الانسان لا يستطيع مقاومة هذا الضغط العظيم، ولذلك فانه لا يدخل الانسان في هذا الامتحان العسير قبل أن يكون هناك إمتحان من نوع آخر لِتُعْرَف - بالتالي - درجة ايمانه وتقواه. فهو عز وجل لا يمرّر الانسان اعتباطًا منذ البداية بإمتحان كإمتحان المؤمنين من أصحاب الأخدود، الذين واجهوا ملكًا في غاية الظلم والطغيان، وخيّرهم بين أن يكفروا بالله أو يدخلوا في أخدود النار. فهو لم يكن يريد أن يقتلهم بيده، بل أراد منهم أن يقذفوا بأنفسهم في النار. فالله سبحانه وتعالى لا يواجه الانسان بشكل مباشر، ودون مقدمات بإمتحان كهذا.

ومع ذلك فان هذه الإمتحانات وأمثالها هي أمام الانسان، وليست بعيدة عنه. فإمتحان الإغراء الشديد كالسلطة والملك والذي خدع رجال في التأريخ، وإمتحان الإرهاب الشديد الذي تعرض له أصحاب الأخدود وأمثالهم، ليسا بعيدين عن الانسان. ولكن الله جل شأنه لا يدخلنا في هذا الإمتحان العسير، إلاّ بعد أن يمرّرنا بمجموعة من الإمتحانات اليسيرة.

وعلى سبيل المثال فان الصلاة هي إمتحان، وكذلك الحسد، وتحمل أخطاء الآخرين كما يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا((الفرقان/20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت