(5) يُصاب قومٌ بالابتلاءِ بسببِ وجودِ زيغٍ في قلوبهم، فَيَتَّبِعُونَ المتشابِه. قال اللهُ - جل وعلا - في شأنهم: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ) . فليس وجودُ المتشابه سببًا في الزيغ، ولكنَّ الزيغَ موجودٌ أولًا في النفوسِ. فاللهُ - سبحانَهُ - أثبتَ وجودَ الزيغِ في القلوبِ أوَّلًا، ثم اتباعِ المتشابه ثانيًا، وقد جاءت (الفاءُ) في قوله - جل وعلا -: (فَيَتَّبِعُونَ) لإفادةِ الترتيبِ والتعقيبِ. ففي النصوصِ ما يَشْتَبِهُ، لكن مَنْ في قلبه زيغٌ يذهبُ إلى النصِّ فيستدلُ به على زَيْغِهِ، وليس له فيه مُسْتَمْسَكٌ في الحقيقةِ، لكن وَجَدَ الزيغَ فذهبَ يتلمَّسُ له. وهذا هو الذي ابْتُلِيَ به الناسُ - أي: الخوارجُ - في زمنِ الصحابةِ، وحصلتْ في زمن التابعينَ فتنٌ كثيرةٌ تَسَبَّبَ عنها القتالُ والملاحِمُ مما هو معلومٌ.
فوائد الابتلاء:
الأمةُ الإسلاميةُ والمسلمون يُبْتَلَوْنَ.
وفائدةُ هذا الابتلاءِ معرفةُ مَنْ يَرْجِعُ فيه من الأمةِ إلى أمرِ اللهِ - جل وعلا - معتصِمًا بالله، متجرِّدًا، متابعًا لهدي السلفِ ممّن لا يرجعُ، وقد أصابته الفتنةُ، قلّتْ أو كَثُرَتْ.
عبد الله بن حسن القعود
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ولي المتقين وناصر المؤمنين، أحمده - تعالى - وأشكره، على ما أولانا من النعم وصرف عنا من النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا. روى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال:"كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيًا من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
أما بعد - فيا عباد الله - لقد جرت سنة الله في عباده المؤمنين أن يبتليهم ابتلاء يقوى بقوة الإيمان ويضعف بضعفه، يقول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح:"أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا زيد له في البلاء"ويقول:"من يرد به الله خيرًا يصب منه". رواه البخاري. يبتليهم - تعالى - ابتلاءً ليس ابتلاء إهانة وتعذيب، فحاشا حكمة الله وعدله ولكنه ابتلاء تمحيص وتهذيب {ويمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين } ، وذلكم الابتلاء لأسرار وحكم بالغة منها ما في قوله - سبحانه: { ليبلوكم أيكم أحسن عملًا } ، { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ، والفتنة هنا بمعنى الامتحان والاختبار اللذين يظهران حقيقة من يدعي الإيمان على وجه الحق والصدق، ومن يدعيه تقية ونفعًا ليحصل على ما لأهله في صف المسلمين من حرمة وتقدير. يقول الله - تعالى: {الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ويقول: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} . والله جلت قدرته وتعالت أسماؤه يعلم عباده أن الإيمان ليس مجرد دعوى أو أمنية فحسب، ولكنه حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد وصبر وتحمل لا يحملها إلا من في قلوبهم تجرد لها وإخلاص، فلا يكفي أن يقول الناس آمنا ويتركوا لهذه الدعوى.. حتى لا يتعرضوا للفتنة فيثبتوا لها ويخرجوا منها صافية عناصرهم، خاصة قلوبهم كما تفتن النار الذهب فتفصل بينه وبين العناصر العالقة به.
أيها المسلمون - مما تقدم يعلم أن عبء الإيمان لكبير وإن تكاليفه لشاقة إلا على النفوس المؤمنة بالله إيمانًا راسخًا، والمتقبلة لتكاليفه بطواعية ورغبة فيما عند الله وما وعد به المؤمنين من نصر وعز في الدنيا وثواب مضاعف في الآخرة يقول - تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} ، ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره) ، رواه الشيخان.
نعم، عبء الإيمان شاق وكبير ولكنه سهل ويسير على من يسره الله عليه، على النفوس التي تعرف أن العبء عندما يكون كبيرًا يكون جزاؤه ومثوبته أكبر وأجل عند الله الذي يجزي على الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف فوق ذلكم والذي يقول: { إن الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أو لياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلًا من غفور رحيم } إلى أن قال - تعالى: { وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} ولا غرابة فكلما عظم الثمن المقدم عظم المثمن المستوفى بدله، فالشهيد الذي قدم نفسه باع حياته لله عوض عنها بحياة أفضل ونعيم أكمل.