فهرس الكتاب

الصفحة 1133 من 1236

من ضمن الحقائق الثابتة التي لا مجال للشك والترديد فيها، إن الهدف من وجود الانسان في الحياة هو أسمى بكثير من التمتع بملاذ الدنيا، والعيش كما تعيش البهائم. فهو يدخل خلال حياته في خضم دورة تربوية تعليمية عميقة الأثر في كيانه، ثم يخرج منها إما الى جنة عرضها السماوات والأرض، لا توصف نعماؤها ولا تدرك لذائذها؛ وإمّا الى نار سجرها جبارها لغضبه، حيث تنعدم منها الرحمة والأمان .

ولو عرف الانسان هذه الحقيقة وأدركها لاستقامت حياته، ولاستطاع أن يتفوق على جميع المؤثرات، ويتحدى كل المتغيرات.

ولكن كيف يتسنى لنا ان نعرف هذه الحقيقة ؟

من الأمور والظواهر المشهودة في حياتنا أننا إذا أُصبنا في أموالنا أو أبنائنا وما الى ذلك، فان أنظارنا تتركز عادة على ذات المصيبة، فنسأل أنفسنا قائلين: لماذا نزلت بنا هذه المصيبة، ولماذا خصتنا دون غيرنا؟ في حين إن من الأجدر بنا أن نعي ظروف المصيبة وخلفياتها، ونستفيد منها - بالتالي - كمنهاج تربوي لنا في حياتنا.

كيف تعامل الائمة مع المآسي؟

ونحن نستطيع أن نلمس بشكل مباشر هذ الحقيقة في واقعة الطف، التي لا يشك أحد في أنها كانت أعمق أثرًا، وأوسع نطاقًا من أي مصيبة أخرى. ففي صلب أجواء هذه المصيبة كانت للإمام الحسين عليه السلام كلمات وخطب تتفجر منها الحكمة، وتفيض منها الروح الايمانية الصلبة، والنور الإلهي البهي. فكلماته عليه السلام التي انطلقت من صميم واقع المصيبة كانت تعبر عن العمق الإيماني، والروح الوثابة في جبهة الإمام الحسين عليه السلام.

وهكذا الحال بالنسبة الى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام؛ ففي اللحظات الأخيرة من حياته وهو يعاني من ألم السم القاتل الذي دسه إليه معاوية، دخل عليه جنادة طالبًا منه أن يوصيه، فيبادر الإمام الى تقديم وصيته له قائلًا:"... واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، وإذا أردت عزًا بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذلِّ معصية الله الى عزِّ طاعة الله عز وجل،...". (1)

ولا ريب إن هذه الوصايا لم تكن مجرد كلمات عابرة يطلقها إنسان يحتضر، ويكاد جسده يتفجر من الألم، بل هي كلمات تفيض حكمة ورشدًا وروحًا إيمانية.. وفي ذلك دلالة كبرى على مدى استيعاب الإمام عليه السلام لحكمة الحياة، فقد استطاع بشخصيته العظيمة أن يتجاوز حدود المأساة.

وهنا تنبغي الاشارة الى حقيقة هامة، وهي إن الإنسان الذي سرعان ما يستسلم للمصيبة، ولا يخطر على باله أن يقاومها ويتحداها، إنما هو إنسان ضعيف لم يترسخ الايمان في قلبه، ولم تطمئن نفسه ولو للحظة واحدة. كما أنه لا يمتلك رؤية مستقبلية الى الحياة، بل ينظر الى لحظته التي يعيشها فقط.

المصائب ضرورية

وبناءً على ذلك فان المصائب التي تتوالى على الانسان ضرورية لبناء شخصيته، بالرغم من عدم رغبته في أن تنزل عليه. ومع ذلك فلولاها فانه لا يستطيع أن ينتبه الى خطائه، ونقاط الضعف في شخصيته، ولولاها لما عرف قدره ومكانته في الحياة. فمن ضمن فوائد المصيبة أنها تنقذ الانسان من الغفلة، وتذكره بواقعه.

والقرآن الكريم ينبهنا في سورة الانعام، وعبر آيات عديدة إلى الثمار الايجابية للمصائب والصعوبات التي يلاقيها الانسان في حياته، فيقول عز وجل في هذا المجال: ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ اَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى اُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَاَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَآ اُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ((الانعام/40-45)

والآيات السابقة تبين لنا أن الانسان قد يصاب أحيانًا بالغفلة حتى عن الله سبحانه وتعالى، وحينئذ يأتي دور المصائب لتعيده الى ذكره -تقدست أسماؤه- وتوسع من آفاق معرفته. وفي هذا المجال يروى إن رجلًا جاء الى الإمام الصادق عليه السلام، وقال له: ياابن رسول الله دلني على الله ما هو، فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيّروني؟ فقال له: يا عبد الله؛ هل ركبت سفينةً قطّ؟ قال: نعم. قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنَّ شيئًا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: نعم. قال الإمام االصادق عليه السلام: فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث". (1) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت