إن الفكر حصن حصين وهبه الله تعالى للإنسان , فلا يستطيع البشر مهما أوتوا من قوة أن يطلعوا على أسراره وخفاياه , ولا أن يهيمنوا عليه فيغيروا من معتقده .
إن الطغاة الجبابرة يستطيعون أن يفعلوا في أجساد المؤمنين المعذبين ماشاؤوا وأن ينتزعوا من بعضهم مايريدون من اعترافات , ولكنهم لا يستطيعون أن يتحكموا في أفكارهم , وهذا من أبرز علامات الفشل والعجز , لأن تغيير الأفكار هو المقصود الأول من وراء ذلك التعذيب .
( [1] ) يعني لنخطئن رأيك .
( [2] ) السيرة النبوية لابن هشام 1/328 .
( [3] ) صحيح البخاري التفسير , سورة مريم /3 رقم 4732 وتكملة الآيات: (أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا(78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا) (80) سورة مريم مريم / 77 - 80 .
( [4] ) فتح الباري 8/430 .
( [5] ) في ظلال القرآن 2/452 , سورة النساء /77 .
( [6] ) سيرة ابن هشام 1/328 .
( [7] ) في تفسير الطبري"باراهم"وأثبت مافي تفسير ابن كثير المنقول من الطبري لأنه هو الموافق لسياق الخبر - تفسير ابن كثير 2/637 .
( [8] ) تفسير الطبري 14/182 .
صالح بن محمد آل طالب
الخطبة الأولى:
أما بعد: فاتقوا الله - تعالى - أيها المسلمون، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29] . من اتقى الله وقاه وكفاه وآواه، ومن كلّ كربٍ نجّاه. واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنكم خُلقتم لأمر عظيم، {فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] .
أيّها المسلمون، لقد خلَق الله - تعالى - الجنَّ والإنس لعبادته وحدَه، وابتلاهم بحكمتِه فصاروا فرِيقين، {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [التغابن: 2] . ولم يزلِ الشيطان يجتهِد في الإبرارِ بقسمه لإغواءِ بني آدم مجلِبًا عليهم بخَيله ورَجلِه ممتطِيًا شياطينَ الجنّ والإنس، وما بعث الله - تعالى - نبيًّا ولا رسولًا إلا عودِيَ وكذّب وأوذِيَ، وهذه سنّة الله - تعالى - الجارِية بحكمتِه في رسلِه وأنبيائه وفي أتباعِ الرّسل، من لدن نوحٍ - عليه السلام - وإلى يومِنا هذا، واقرأ في التنزيل العزيز قصَصَ الأنبياءِ وأتباعِهم، كلُّهم أوذِيَ وطورد، ومنهم من قتِلَ أو أُبعد. ألم يلقَ إبراهيم الخليل في النار؟! ألم يطارَد موسى وقومُه إلى فجاجِ البحار؟! ألم تقتل بنو إسرائيل أنبياءَ الله؟! ألم يجتهِدوا لقتل وصلبِ المسيح عيسى ابنِ مريم، فأنجاه الله ورفعَه إليه وآواه؟! ثم مَاذا لقي سيِّدُ الرسل وأشرَف الخلق محمّد؟! تمالَؤوا على قتلِه، ولحِقوه في دار هجرَته، وحاربوه، وقتَلوا أصحابه، وشجُّوه وكسروا رباعِيته، وخاضوا في عرضِه، {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] . وفي كلِّ هذه الأحوالِ تكون العاقبةُ الحسنى للمتَّقين، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171-173] .
بل حتى لمّا أظهرَ الله - تعالى - نبيَّه محمّدًا جاءت جَحافلُ الروم من أقصى أراضِيها مِن غربِ شمال الأرض لتهدمَ الدين الفتيَّ في جزيرة العرب، والذي لم يحارِبهم ولم يدخُل أراضيهم. إنَّ النبيَّ حين تجهّز لغزوةِ تبوك لم يكن مبتدئًا بقتال بقدر ما كان مبتَدئا بالدّفاع، فما الذي أتى بالرومِ من أقصى أراضيهم لوأد الدين الجديد؟! إنه الطغيان والحِقد القديمُ والذي لا زال يتجدَّد على المسلمين إلى اليوم. وأتمَّ الله وعدَه لرسله وأتباعِهم حين نجَحوا في اجتيازِ المحن وأظهَرهم الله على أعدائهم.
ومِن لطائفِ تدبير الله أنَّ النبي لم يتجاوز حدودَ هذه الجزيرةِ حين كان يدافع عن دينهِ، ثم لم تمضِ ستُّ سنين حتى كان خليفته الفاروق - رضي الله عنه - يتسلّم مفاتيحَ بيت المقدس، ويصلي في المسجدِ الأقصى، ويأبَى البطارقة تسليمَ المفاتيح إلا للفاروق - رضي الله عنه -، ويعترِفون بوجود صفتِه في الكتب التي بين أيدِيهم، ويقِرّهم على أموالهم وأملاكهم، ويترك لهم كنائسَهم، ويطوِي عليهم كنفَ رحمة الإسلام وعَدله، ويشملهم بحمايتِه ورعايته.
ثم تدول الدوَل، ويفرِّط بعض المسلمين في عهد الله، فيضيع بيتُ المقدس، بل كثير من بلادِ المسلمين، بل عاثَ الأعداء في الدّماء والأموال والديارِ والتراب على طريقَةِ وحوشِ الغاب.
حكَمنا فكان العدلُ منّا سجيّةً *** فلما حَكمتُم سالَ بالدم أبطَحُ
وصدق الله: {وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًا وَلا ذِمَّةً} [التوبة: 8] .