إذن؛ فهذه ثلاث مفردات إذا وُجدت؛ وجدت الإستقامة، وتوفر في الانتظار الصحيح شروطه، وهنالك يأتي أمر الله ونصره. وليكن في الأذهان أن من المستحيل أن تنال حركة إسلامية ما النصر دون إرادة وفعل غيبي إلهي، ولكنّ الله يريد من المؤمنين به الإعداد؛ لأنّه يريد أن يمحّص ما في القلوب، ويريد للإنسان المؤمن أن يثبت جدارته ليكون أفضل من سائر المخلوقات.
عندما تطمح أمة للوصول الى هدف عظيم، فلابد من الاستعداد لتقديم عمل يساوي ويعادل هذا الهدف العظيم. وعندما تقرر أمة العيش مستقلة ومتقدمة، وتسعى الى قهر الطبيعة، وتستهدف التغلب على نقاط ضعفها من فقر وجهل ومرض وعجز، وتريد التغلب على المشاكل السياسية والاجتماعية، فلابد لها من أن تدفع ثمن ذلك، وهذا الثمن عظيم. فالذين يطمحون طموحات سامية ثم لا يدفعون بإزائها الثمن المناسب، فانما هم يعيشون الأماني التي لا تغني عن العمل شيئًا.
شرط لمرضاة الله
وفي الآيات التالية من سورة (فصلت) يؤكد الله عز وجل على ضرورة توفر الاستقامة من أجل الوصول الى مرضاته، واقامة حكمه:
(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ الْسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ((فصلت/30-35)
والآيات الكريمة السابقة تقرر أن في طريقنا ومسيرتنا عراقيل وصعوبات، لابد من أن نستعد لازالتها، والتغلب عليها. وهناك مشاكل لابد من التحصن ضدها، ومصائب من واجبنا الصبر عليها، وهزائم وانتكاسات لابد من استيعابها وتحويلها الى انتصارات.
طريقنا ملئ بالتضحيات
إن في الطريق الذي نسلكه تضحيات ومآسي، ودموعًا ودماء.. ومن أجل ذلك لابد أن نستقيم. فالله تبارك وتعالى لم يقل في آية من آيات القرآن الكريم إن طريق الجنة سالك ومعبّد ومفروش بالزهور والرياحين والورود، بل إنه تعالى أكد المرة بعد الأخرى أن طريقها محفوف بالمخاطر، والعقبات الكأداء التي لا مناص من اقتحامها.
وهكذا فان الذي يقول"ربي الله"لابد أن تعترضه عقبات، وتتحداه مشاكل. فقوله"ربي الله"يعني أن يكفر بما سواه؛ أي يكفر بالطاغوت والمجتمع الفاسد والانحرافات الفكرية، ويرفض الخضوع للأهواء والشهوات. فشرط المربوبية الحقة أن تعيش حرًا مستقلًا، وأن لا تخضع لشهواتك وشهوات الآخرين، ولا تستسلم لقانون غير قانون الله عز وجل.
وقد تسأل لماذا إستخدم السياق القرآني كلمة (ثم) ولم يأت بحرف الفاء في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا(. وحسب ما يبدو لي، إنّ(ثم) تدل على أن المشاكل ستستمر، فلو كان الله تعالى قد قال:"إن الذين قالوا ربنا الله فاستقاموا"فربما دلّ ذلك على أن عبارة"ربي الله"تحتاج الى استقامة واحدة؛ أي الى لحظات أو ساعات أو أيام من الاستقامة. ولكن السياق القرآني الكريم استخدم (ثم) ، وكأن الزمن سيستمر، والاستقامة تتم بشكل تدريجي.
التأييد الإلهي
ثم يقول تبارك وتعالى: (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ( ذلك لأن العمل الذي يقوم به المؤمنون تنوء به الجبال، وتثقل به الأرض. فهو عمل عظيم، ولذلك فانهم بحاجة الى الاستقامة والتأييد الغيبي من خلال تنزيل الملائكة عليهم. فالملائكة تهبط عليهم المرة بعد الأخرى، لأن العمل عظيم بعظمة الهدف المراد تحقيقه، ولأن الله عز وجل يعلم أن الانسان خلق من ضعف، فلولا التأييد الغيبي والاتصال بالحق لما استطاع الإنسان المؤمن أن يحقق الانتصار كما يصرح بذلك تعالى قائلًا: (وَلَوْلآ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا((الاسراء/74)
وعلى سبيل المثال فلو لم يرِ الله النبي يوسف عليه السلام برهانه، لهمّ بها مثلما همّت به. ولو لم يعطِ الله تبارك وتعالى ابراهيم عليه السلام رشده، وموسى عليه السلام تأييده، وآدم وسليمان عليهما السلام التوبة.. لما كانوا قادرين على مقاومة ذلك الزخم الهائل من الضغوط، وتلك الأمواج الهادرة من المشاكل. ولكن الله سبحانه وتعالى تفضّل عليهم بالتأييد، وفي هذا التأييد بشارة لكل أولئك الذين يريدون الجنة. فبالرغم من أن الاستقامة شاقة للغاية إلى درجة تشقق الجبال منها، ولكن تأييد الله يمنحهم الاستمرارية على الثبات والاستقامة.