فهرس الكتاب

الصفحة 1146 من 1236

فليس من الصحيح أن نقول إن أعمال المجاهدين تذهب عبثًا، وأنهم ينفخون في رماد، وأنّ جهودهم هي مجرّد هواء في شبك. كلا؛ فاننا إذا عملنا ولو ذرة واحدة، فاننا سنجد هذا العمل أمامنا يوم القيامة ليشفع لنا. فالذي يحفظ الوديعة هو رب العزة الذي لا يمكن أن تضيع عنده الودائع.

فعلينا أن نصبر، وأن لا نستعجل الأمور، لأن هذا العالم الذي نعيش فيه هو عالم الزمن، كما أنّ الخالق تعالى عندما خلق السماوات والأرض فانه لم يخلقهما في لحظة واحدة، رغم أنه كان بامكانه أن يقول كن فيكون ليخلق السماوات والأرضين، ولكنّه عز وجل شاء أن يخلقهما في ستّة أيام، لأنه ركّب هذا الكون على أساس الزمن.

وعلى هذا فانّ علينا أن نصبر خصوصًا وإننا نريد أن نغيّر عالمًا بأكمله، وهذا التغيير لا يمكن أن يتمّ من خلال حركة بسيطة. فنحن الآن نعيش مخاض الحضارة الإسلامية، والحضارة تعني تحقيق الوحدة بين الشعوب، والوصول الى الرقي التكنلوجيّ، والتقدم الزراعي والصناعي والاقتصادي. ومن المعلوم أن ليس من السهولة بمكان تحقيق هذه الأهداف الضخمة.

ومع ذلك فاننا نمتلك تاريخًا حضاريًا عريقًا ومليئًا بالعطاء، ونمتلك برنامجًا يتمثّل في القرآن الكريم الذي هو هدىً ونور وبصائر. وكلّ هذه الامتيازات التي نتمتّع بها من شأنها أن تختصر لنا الزمن، وتجعلنا نبلغ المستوى الحضاري المنشود في فترة قياسية، قد تكون أقصر بكثير من تلك الفترة التي مرّ بها الغربيون للوصول الى ما بلغوه الآن، ولكن علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار أن علينا أن نبذل الجهود المتواصلة والمكثّفة في هذا المجال، وحينئذ فاننا سوف لا نبلغ ما بلغه الغربيون فحسب وإنما سنتقدم عليهم باذن الله.

التفكير المستقبلي

وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"اغزوا تورثوا أبناءكم مجدًا"؛ (1) أي إن علينا أن لا نفكّر في أن نحصل على العزة العاجلة من وراء جهادنا، بل علينا أن نبذل لكي ينتفع الجيل القادم من عطائنا. فنحن نسعى من أجلهم في الحقيقة لكي يورثوا منّا المنعة والعزة، ويكونوا أقوياء أمام الأعداء، ولا يكونوا أدوات في أيديهم يستخدمونهم كمادّة للاختبار. فهناك الكثير من الحروب التي أجّجها المستكبرون كان هدفهم من ورائها تجربة أسلحتهم، كما حدث في الحرب التي أثاروها بين العراق وايران، وبين العراق والكويت.. فقد كانوا يحقّقون عدة أهداف من وراء إثارة هذه الحروب؛ الهدف الأول هو أنهم كانوا يبيعون الأسلحة ويصرّفونها، والهدف الثاني أنهم يعملون على تأخير تطوّر حضارتنا، والهدف الثالث يتمثل في إشفاء غيضهم الداخلي من المسلمين، والهدف الرابع إختبار الاسلحة ومن ضمنها الأسلحة الكيمياوية...

ومن أجل أن نحول دون أن يصبح أبناؤنا أدوات طيّعة بيد هؤلاء المستكبرين، فلابد لنا من أن نجاهد، لأنّ جهادنا إنما هو من أجل تحقيق مستقبل مزدهر مشرق لأولادنا.

الاسلام مرهون بالجهاد

وعلينا أن نعلم في هذا المجال أن الانجازات والمكاسب الكبرى التي حقّقها الاسلام لحد الآن، انما هي مرهونة ببقائها ووجودها لجهاد المجاهدين. والى هذا المعنى يشير تعالى في قوله: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ اُولُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَآ اُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ((هود/116)

فالذين ينهون عن الفساد يكنّ الله تعالى لهم أعظم الحبّ لحكمة يعلمها، وهي أن تبقى في الأمة بقية تدافع عنها، وعن القيم الرسالية المقدّسة.

ثم يشير تعالى الى النتيجة النهائية للجهاد من خلال قوله: (إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ(؛ اي إن فائدة جهادنا وإستقامتنا تتمثل في أنّ البلاء سوف لا يشملها في حالة نزوله، بل إنّ هذا البلاء سوف ينزل على المفسدين فحسب، ومن سكت عنهم، ورضي عن ممارساتهم.

قد يكون الانسان في وضع تضحى جميع شؤونه متسقة ومنتظمة حسبما يحب ويرتضي، بحيث ينمو ويترعرع في بيئة مفعمة بعبق الايمان واريج المحبة والاخاء الايماني.

وقد يعيش المرء حياة تصطحبها القسوة والابتلاء، بحيث تحيطه كافة صور المحنة والعذاب. فبالتأكيد ان كلا الوضعين المختلفين لا يمكنهما ان يتساويان على مستوى التجربة والأجر الذي وعد الله تعالى به المؤمنين يوم القيامة.

الفتنة سنة الهية

من مراجعة لآيات الذكر الحكيم نكتشف احدى سنن الباري عز وجل، وهي سنة الفتنة لكافة أبناء البشر الذين يعيشون على هذه البسيطة؛ بل لا مجال لافتراض صورة ما لحياة أحد أبناء البشر وقد خالطتها النشوة المطلقة والرضا اللامتناهي..

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ((العنكبوت/2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت