لأعْلَم مَن جَبَانُها من شُجاعها ... وقوله: وإنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جرزًا تكميل للعبرة وتحقيق لفناء العالم . فقوله: { جاعلون } اسم فاعل مراد به المستقبل ، أي سنجعل ما على الأرض كله معدومًا فلا يكون على الأرض إلا تراب جاف أجرد لا يصلح للحياة فوقه وذلك هو فناء العالم ، قال تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض } [ إبراهيم: 48 ] .
والصعيد: التراب . والجُرز: القاحل الأجرد . وسيأتي بيان معنى الصعيد عند قوله: { فتصبح صعيدًا زلقا } في هذه السورة ( 40 ) .
وقال السيد رحمه الله (1) :
والله يعلم . ولكنه يجزي على ما يصدر من العباد فعلًا ، وما يتحقق منهم في الحياة عملًا . ويسكت عمن لا يحسنون العمل فلا يذكرهم لأن مفهوم التعبير واضح .
ونهاية هذه الزينة محتومة . فستعود الأرض مجردة منها ، وسيهلك كل ما عليها ، فتصبح قبل يوم القيامة سطحًا أجرد خشنًا جدبًا: { وإنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جرزًا } .
وفي التعبير صرامة ، وفي المشهد الذي يرسمه كذلك . وكلمة { جرزا } تصور معنى الجدب بجرسها اللفظي . كما أن كلمة { صعيدا } ترسم مشهد الاستواء والصلادة!
قال القرطبي رحمه الله (2) :
قال الله تعالى: { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ } أي إنه يكون حليمًا في كبره فكأنه بُشِّر ببقاء ذلك الولد؛ لأنّ الصغير لا يوصف بذلك ، فكانت البشرى على ألسنة الملائكة كما تقدّم في «هود» . ويأتي أيضًا في «الذاريات» . فيها سبع عشرة مسألة:
الأولى قوله تعالى: { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي } أي فوهبنا له الغلام؛ فلما بلغ معه المبلغ الذي يسعى مع أبيه في أمور الدنيا معينًا على أعماله «قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى في الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ» . وقال مجاهد: «فَلَمَا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي» أي شبّ وأدرك سعيُه سعَي إبراهيم . وقال الفراء: كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة . وقال ابن عباس: هو الاحتلام . قتادة: مشى مع أبيه . الحسن ومقاتل: هو سعي العقل الذي تقوم به الحجة . ابن زيد: هو السعي في العبادة . ابن عباس: صام وصلّى ، ألم تسمع اللّه عز وجل يقول: { وسعى لَهَا سَعْيَهَا } [ الإسراء: 19 ] .
(1) - في ظلال القرآن - (ج 5 / ص 54)
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4712)