فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 1236

واختلف العلماء في المأمور بذبحه . فقال أكثرهم: الذبيح إسحاق . وممن قال بذلك العباس بن عبد المطلب وابنه عبد اللّه وهو الصحيح عنه . روى الثوريّ وابن جريج يرفعانه إلى ابن عباس قال: الذبيح إسحاق . وهو الصحيح عن عبد اللّه بن مسعود أن رجلًا قال له: يا بن الأشياخ الكرام . فقال عبد اللّه: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح اللّه بن إبراهيم خليل اللّه صلى اللّه عليهم وسلم . وقد روى حماد بن زيد يرفعه إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:"إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم"وروى أبو الزبير عن جابر قال: الذبيح إسحاق . وذلك مروي أيضًا عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه . وعن عبد اللّه بن عمر: أن الذبيح إسحاق . وهو قول عمر رضي اللّه عنه . فهؤلاء سبعة من الصحابة . وقال به من التابعين وغيرهم عَلْقَمة والشّعبي ومجاهد وسعيد بن جُبير وكعب الأحبار وقتادة ومسروق وعِكرمة والقاسم بن أبي بَزَّة وعطاء ومقاتل وعبد الرحمن بن سابط والزهريّ والسديّ وعبد اللّه بن أبي الهذيل ومالك بن أنس ، كلهم قالوا: الذبيح إسحاق . وعليه أهل الكتابين اليهود والنصارى ، واختاره غير واحد منهم النحاس والطبري وغيرهما . قال سعيد بن جبير: أُرِيَ إبراهيمُ ذبح إسحاق في المنام ، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة ، حتى أتى به المنحر من مِنىً؛ فلما صرف اللّه عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه ، وسار به مسيرة شهر في رَوْحة واحدة طويت له الأودية والجبال . وهذا القول أقوى في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين . وقال آخرون: هو إسماعيل . وممن قال ذلك أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة . وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس أيضًا ، ومن التابعين سعيد بن المسيّب والشّعبي ويوسف بن مِهْران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القُرَظيّ والكلبي وعلقمة .

وسئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد:

إنّ الذبيح هُدِيتَ إسمعيلُ ... نَطقَ الكتابُ بِذاك والتنزيلُ

شرفٌ به خصّ الإله نبيَّنا ... وأتى به التفسيرُ والتأويلُ

إن كنتَ أُمَّتَه فلا تُنْكِرْ لَهُ ... شرفًا به قد خَصّه التفضيلُ

وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ، فقال: يا أصمعي أين عَزَب عنك عقلك! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الذبيح إسماعيل والأوّل أكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعن التابعين . واحتجوا بأن اللّه عز وجل قد أخبر إبراهيم حين فارق قومه ، فهاجر إلى الشام مع امرأته سارّة وابن أخيه لوط فقال: { إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ } [ الصافات: 99 ] أنه دعا فقال: «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ» فقال تعالى: { فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } [ مريم: 49 ] ؛ ولأن اللّه قال: «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» فذكر أن الفداء في الغلام الحليم الذي بُشِّر به إبراهيم وإنما بُشِّر بإسحاق؛ لأنه قال: { وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ } ، وقال هنا: «بِغُلامٍ حَلِيمٍ» وذلك قبل أن يتزوّج هاجر وقبل أن يولد له إسماعيل ، وليس في القرآن أنه بُشر بولد إلا إسحاق . احتج من قال إنه إسماعيل: بأن اللّه تعالى وصفه بالصبر دون إسحاق في قوله تعالى: { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مِّنَ الصابرين } [ الأنبياء: 85 ] وهو صبره على الذبح ، ووصفه بصدق الوعد في قوله: { إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد } [ مريم: 54 ] ؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفّى به؛ ولأن اللّه تعالى قال: { وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا } فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيًّا ، وأيضًا فإن اللّه تعالى قال: { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } [ هود: 71 ] فكيف يؤمر بذبح إسحق قبل إنجاز الوعد في يعقوب . وإيضًا ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة ، فدلّ على أن الذبيح إسماعيل ، ولو كان إسحاق لكان الذبح يقع ببيت المقدس . وهذا الاستدلال كله ليس بقاطع؛ أما قولهم: كيف يأمره بذبحه وقد وعده بأن يكون نبيًّا ، فإنه يحتمل أن يكون المعنى: وبشرناه بنبوّته بعد أن كان من أمره ما كان؛ قاله ابن عباس . وسيأتي . ولعله أُمِر بذبح إسحاق بعد أن ولد لإسحق يعقوب . ويقال: لم يرد في القرآن أن يعقوب يولد من إسحق . وأما قولهم: ولو كان الذبيح إسحق لكان الذبح يقع ببيت المقدس ، فالجواب عنه ما قاله سعيد بن جبير على ما تقدّم . وقال الزجاج: اللّه أعلم أيهما الذبيح . وهذا مذهب ثالث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت