فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 1236

الثانية قوله تعالى: { قَالَ يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى } قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم عليه السلام ثلاث ليال متتابعات . وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من اللّه تعالى أيقاظًا ورقودًا ، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم .

وهذا ثابت في الخبر المرفوع ، قال صلى الله عليه وسلم:"إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا"وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وَحْيٌ واستدل بهذه الآية . وقال السّدي: لما بُشِّر إبراهيم بإسحاق قبل أن يولد قال هو إذًا لله ذبيح . فقيل له في منامه: قد نذرت نذرًا فَفِ بنذرك . ويقال: إن إبراهيم رأى في ليلة التروية كأن قائلًا يقول: إن اللّه يأمرك بذبح ابنك؛ فلما أصبح رَوَّى في نفسه أي فَكَّر أهذا الحُلْم من اللّه أم من الشيطان؟ فسمّي يوم التَّرْوية . فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضًا وقيل له الوعد ، فلما أصبح عرف أن ذلك من اللّه فَسُمِّيَ يوم عرفة . ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فَهمَّ بنحره فسُمِّي يوم النَّحْر . وروي أنه لما ذبحه قال جبريل: اللّه أكبر اللّه أكبر . فقال الذبيح: لا إله إلا اللّه واللّه أكبر . فقال إبراهيم: اللّه أكبر والحمد للّه؛ فبقي سُنة . وقد اختلف الناس في وقوع هذا الأَمر وهي:

الثالثة فقال أهل السنة: إن نفس الذبح لم يقع ، وإنما وقع الأمر بالذبح قبل أن يقع الذبح ، ولو وقع لم يُتصوَّر رفعه ، فكان هذا من باب النسخ قبل الفعل؛ لأنه لو حصل الفراغ من امتثال الأمر بالذبح ما تحقق الفِداء . وقوله تعالى: { قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ } : أي حققت ما نبهناك عليه ، وفعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك . هذا أصح ما قيل به في هذا الباب . وقالت طائفة: ليس هذا مما ينسخ بوجه؛ لأن معنى ذبحت الشيء قطعته . واستدل على هذا بقول مجاهد: قال إسحاق لإبراهيم لا تنظر إليّ فترحمني ، ولكن اجعل وجهي إلى الأرض؛ فأخذ إبراهيم السكين فأمَرَّها على حلقه فانقلبت . فقال له مالَكَ؟ قال: انقلبت السكين . قال اطعني بها طعنًا . وقال بعضهم: كان كلما قطع جزءًا التأم . وقالت طائفة: وجد حَلقه نحاسًا أو مغشًّى بنحاس ، وكان كلما أراد قطعًا وجد منعًا . وهذا كله جائز في القدرة الإلّهية ، لكنه يفتقر إلى نقل صحيح ، فإنه أمْر لا يدرك بالنظر وإنما طريقه الخبر . ولو كان قد جرى ذلك لبيَّنه اللّه تعالى تعظيمًا لرتبة إسماعيل وإبراهيم صلوات اللّه عليهما ، وكان أولى بالبيان من الفِداء . وقال بعضهم: إن إبراهيم ما أُمر بالذبح الحقيقي الذي هو فَرْي الأوداج وإنهار الدم ، وإنما رأى أنه أضجعه للذبح فتوهم أنه أمر بالذبح الحقيقي ، فلما أتى بما أمر به من الإضجاع قيل له: «قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا» وهذا كله خارج عن المفهوم . ولا يظن بالخليل والذبيح أن يفهما من هذا الأمر ما ليس له حقيقة حتى يكون منهما التوهم . وأيضًا لو صحت هذه الأشياء لما احتيج إلى الفداء .

الرابعة قوله تعالى: { فانظر مَاذَا ترى } قرأ أهل الكوفة غير عاصم «مَاذَا تُرِي» بضم التاء وكسر الراء من أرِيَ يُرِي . قال الفرّاء: أي فانظر ماذا ترى من صبرك وجزعك . قال الزجاج: لم يقل هذا أحد غيره ، وإنما قال العلماء ماذا تشير؛ أي ما تريك نفسك من الرأي . وأنكر أبو عبيد: «تُرِي» وقال: إنما يكون هذا من رؤية العين خاصة . وكذلك قال أبو حاتم . النحاس: وهذا غلط ، وهذا يكون من رؤية العين وغيرها وهو مشهور ، يقال: أريت فلانًا الصواب ، وأريته رشده ، وهذا ليس من رؤية العين . الباقون «تَرَى» مضارع رأيت . وقد روي عن الضحاك والأعمش «تُرَى» غير مسمى الفاعل . ولم يقل له ذلك على وجه المؤامرة في أمر اللّه ، وإنما شاوره ليعلم صبره لأمر اللّه؛ أو لتقرّ عينه إذا رأى من ابنه طاعة في أمر اللّه ف { قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ } أي ما تؤمر به فحذف الجار كما حذف من قوله:

أَمَرْتُكَ الخيَر فافعل مَا أمِرتَ بِهِ ... فوصل الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذفت الهاء؛ كقوله: { وَسَلاَمٌ على عِبَادِهِ الذين اصطفى } [ النمل: 59 ] أي اصطفاهم على ما تقدّم . و «ما» بمعنى الذي . { ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين } قال بعض أهل الإشارة: لما استثنى وفقه اللّه للصبر . وقد مضى الكلام في «يَا أَبَتِ» وكذلك في «يَا بُنَيَّ» في «يوسف» وغيرها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت