فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 1236

الخامسة قوله تعالى: { فَلَمَّا أَسْلَمَا } أي انقادا لأمر اللّهِ . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وعليّ رضوان اللّه عليهم «فَلَمَّا سَلَّمَا» أي فوّضا أمرهما إلى اللّه . وقال ابن عباس: استسلما . وقال قتادة: أسلم أحدهما نفسه للّه عز وجل وأسلم الآخر ابنه . { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } قال قتادة: كَبّه وحوّل وجهه إلى القبلة . وجواب «لما» محذوف عند البصريين تقديره «فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ للجَبِينِ» فديناه بكبش . وقال الكوفيون: الجواب «نَادَيْنَاهُ» والواو زائدة مقحمة؛ كقوله: { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب وَأَوْحَيْنَآ } [ يوسف: 15 ] أي أوحينا . وقوله: { وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ واقترب } [ الأنبياء: 96 ] أي اقترب . وقوله: { حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ } [ الزمر: 73 ] أي قال لهم . وقال امرؤ القيس:

فلمّا أَجَزْنَا سَاحَة الْحَيِّ وانتحى ... أي انتحى ، والواو زائدة . وقال أيضًا:

حتّى إذا حَمَلتْ بُطُونُكُمُ ... ورأيتُم أبناءَكم شَبُّوا

وَقَلَبْتُمُ ظهرَ المِجنِّ لنا ... إن اللّئِيمَ الفاجِر الخِبُّ

أراد قلبتم . النحاس: والواو من حروف المعاني لا يجوز أن تزاد . وفي الخبر: إن الذبيح قال لإبراهيم عليه السلام حين أراد ذبحه: يا ابت اشدد رباطي حتى لا أضطرب ، واكفف ثيابك لئلا ينتضح عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن ، وأسرعْ مَرَّ السكين على حَلْقي ليكون الموت أهون عليّ واقذفني للوجه؛ لئلا تنظر إلى وجهي فترحمني ، ولئلا أنظر إلى الشفرة فأجزع ، وإذا أتيت إلى أمي فأقرئها مني السلام .

فلما جَرَّ إبراهيم عليه السلام السكين ضرب اللّه عليه صفيحة من نحاس ، فلم تعمل السكين شيئًا ، ثم ضرب به على جبينه وحَزَّ في قفاه فلم تعمل السكين شيئًا؛ فذلك قوله تعالى: { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } كذلك قال ابن عباس: معناه كبه على وجهه فنودي «يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا» فالتفت فإذا بكبش؛ ذكره المهدوي . وقد تقدّمت الإشارة إلى عدم صحته ، وأن المعنى لما اعتقد الوجوب وتهيأ للعمل؛ هذا بهيئة الذبح ، وهذا بصورة المذبوح ، أعطيا محلاًّ للذبح فِداء ولم يكن هناك مرّ سكين . وعلى هذا يتصوّر النسخ قبل الفعل على ما تقدّم . واللّه أعلم . قال الجوهري: «وَتَلّهُ لِلْجَبِينِ» أي صرعه؛ كما تقول: كَبّه لوجهه . الهروي: والتَّلُّ الدفع والصرع؛ ومنه حديث أبي الدرداء رضي اللّه عنه: «وتركوك لِمَتَلِّك» أي لمصرعك . وفي حديث آخر:"فجاء بناقة كَوْمَاء فَتلَّها"أي أناخها . وفي الحديث:"بينا أنا نائم أُتِيت بمفاتيح خزائن الأرض فُتلَّت في يدي"قال ابن الأنباري: أي فألقيت في يدي؛ يقال: تَلَلْت الرجل إذا ألقيته . قال ابن الأعرابي: فصبّت في يدي؛ والتَّلُّ الصبّ؛ يقال: تلّ يتُلُّ إذا صبّ ، وتَلّ يتِلّ بالكسر إذا سقط . قلت: وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد الساعدي"أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه ، وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ؛ فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء» فقال الغلام: لا واللّه ، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا . قال: فتلَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده"؛ يريد جعله في يده . وقال بعض أهل الإشارة: إن إبراهيم ادعى محبة اللّه ، ثم نظر إلى الولد بالمحبة ، فلم يرض حبيبه محبة مشتركة؛ فقيل له: يا إبراهيم اذبح ولدك في مرضاتي ، فشمَّر وأخذ السكين وأضجع ولده ، ثم قال: اللهم تقبله مني في مرضاتك . فأوحى اللّه إليه: يا إبراهيم لم يكن المراد ذبح الولد ، وإنما المراد أن تردّ قلبك إلينا ، فلما رددت قلبك لكُلِّيَّته إلينا رددنا ولدك إليك . وقال كعب وغيره: لما أري إبراهيم ذبح ولده في منامه ، قال الشيطان: واللّه لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحدًا أبدًا . فتمثل الشيطان لهم في صورة الرجل ، ثم أتى أم الغلام وقال: أتدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت لا . قال: إنه يذهب به ليذبحه . قالت: كلا هو أرأف به من ذلك . فقال: إنه يزعم أن ربه أمره بذلك . قالت: فإن كان ربه قد أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه . ثم أتى الغلام فقال: أتدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: لا . قال: فإنه يذهب بك ليذبحك . قال ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك . قال: فليفعل ما أمره اللّه به ، سمعًا وطاعة لأمر اللّه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت