فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 1236

ثم جاء إبراهيم فقال: أين تريد؟ واللّه إني لأظن أن الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك . فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدوّ اللّه؛ فواللّه لأمضين لأمر ربي . فلم يصب الملعون منهم شيئًا . وقال ابن عباس: لما أمر إبراهيم بذبح ابنه عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حَصَيَات حتى ذهب ، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ثم مضى إبراهيم لأمر اللّه تعالى . واختلف في الموضع الذي أراد ذبحه ( فيه ) فقيل: بمكة في المقام . وقيل: في المنحر بمنى عند الجمار التى رمى بها إبليس لعنه اللّه؛ قاله ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيّب . وحكي عن سعيد بن جُبير: أنه ذبحه على الصخرة التي بأصل ثَبِير بِمنىً . وقال ابن جريج: ذبحه بالشام وهو من بيت المقدس على ميلين . والأول أكثر؛ فإنه ورد في الأخبار تعليق قرن الكبش في الكعبة ، فدل على أنه ذبحه بمكة . وقال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام ، وإن رأس الكبش لمعلَّق بقرنيه من ميزاب الكعبة وقد يبس . أجاب من قال بأن الذبح وقع بالشام: لعل الرأس حمل من الشام إلى مكة . واللّه أعلم .

السادسة قوله تعالى: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين } أي نجزيهم بالخلاص من الشدائد في الدنيا والآخرة . { إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين } أي النعمة الظاهرة؛ يقال: أبلاه اللّه إبْلاءً وبَلاَءً إذا أنعم عليه . وقد يقال بَلاهُ . قال زهير:

فأَبْلاهما خَيْرَ البلاءِ الذي يَبْلو ... فزعم قوم أنه جاء باللغتين . وقال آخرون: بل الثاني من بَلاهُ يَبْلُوهُ إذا اختبره ، ولا يقال من الاختبار إلا بَلاه يَبْلوه ، ولا يقال من الابتلاء يبلوه . وأصل هذا كله من الاختبار أن يكون بالخير والشر؛ قال اللّه عز وجل: { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء: 35 ] . وقال أبو زيد: هذا من البلاء الذي نزل به في أن يذبح ابنه؛ قال: وهذا من البلاء المكروه

السابعة قوله تعالى: { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } الذِّبح اسم المذبوح وجمعه ذبوح ، كالطحن اسم المطحون . والذَّبح بالفتح المصدر . «عظِيمٍ» أي عظيم القدر ولم يرِد عظيم الجثة ، وإنما عظم قدره لأنه فدى به الذبيح؛ أو لأنه متقبَّل . قال النحاس: عظيم في اللغة يكون للكبير وللشريف . وأهل التفسير على أنه هاهنا للشريف ، أو المتقَّبل . وقال ابن عباس: هو الكبش الذي تقرَّب به هابيل ، وكان في الجنة يرعى حتى فدى اللّه به إسماعيل . وعنه أيضًا: أنه كبش أرسله اللّه من الجنة كان قد رعى في الجنة أربعين خريفًا . وقال الحسن: ما فدِي إسماعيل إلا بتيس من الأَرْوَى هبط عليه من ثبِير ، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه ، وهذا قول علي رضي اللّه عنه .

فلما رآه إبراهيم أخذه فذبحه وأعتق ابنه . وقال: يا بني اليوم وُهِبت لي . وقال أبو إسحاق الزجاج: قد قيل إنه فَدِي بوَعْل ، والوَعْل: التيس الجبلي . وأهل التفسير على أنه فُدِي بكبش .

الثامنة في هذه الآية دليل على أن الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر . وهذا مذهب مالك وأصحابه . قالوا: أفضل الضحايا الفحول من الضأن ، وإناث الضأن أفضل من فحل المعز ، وفحول المعز خير من إناثها ، وإناث المعز خير من الإبل والبقر . وحجتهم قوله سبحانه وتعالى: { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } أي ضخم الجثة سمين ، وذلك كبش لا جمل ولا بقرة . وروى مجاهد وغيره عن ابن عباس أنه سأله رجل: إني نذرت أن أنحر ابني؟ فقال: يجزيك كبش سمين ، ثم قرأ «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» . وقال بعضهم: لو علم اللّه حيوانًا أفضل من الكبش لفدى به إسحق . وضحّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين . وأكثر ما ضحّى به الكباش . وذكر ابن أبي شيبة عن ابن عُلَيَّة عن الليث عن مجاهد قال: الذِّبح العظيم الشاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت