فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 1236

التاسعة واختلفوا أيما أفضل: الأضحية أو الصدقة بثمنها . فقال مالك وأصحابه: الضحية أفضل إلا بمنىً؛ لأنه ليس موضع الأضحية؛ حكاه أبو عمر . وقال ابن المنذر: روينا عن بلال أنه قال: ما أبالي ألا أضحي إلا بديك ولأن أضعه في يتيم قد تَرِب فيه هكذا قال المحدث أحب إليّ من أن أضحي به . وهذا قول الشعبي إن الصدقة أفضل . وبه قال مالك وأبو ثور . وفيه قول ثانٍ: إن الضحية أفضل؛ هذا قول ربيعة وأبي الزناد . وبه قال أصحاب الرأي . زاد أبو عمر وأحمد بن حنبل قالوا: الضحية أفضل من الصدقة؛ لأن الضحية سنة مؤكدة كصلاة العيد . ومعلوم أن صلاة العيد أفضل من سائر النوافل . وكذلك صلوات السنن أفضل من التطوّع كله . قال أبو عمر: وقد روي في فضل الضحايا آثار حسان؛ فمنها ما رواه سعيد بن داود بن أبي زَنْبَر عن مالك عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من نفقة بعد صلة الرحم أفضل عند اللّه من إهراق الدم"قال أبو عمر: وهو حديث غريب من حديث مالك . وعن عائشة قالت: يأيها الناس ضحُّوا وطِيبوا أنفسًا؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من عبد توجّه بأضحيته إلى القبلة إلا كان دمها وقرنها وصوفها حسناتٍ محضراتٍ في ميزانه يوم القيامة فإن الدم إن وقع في التراب فإنما يقع في حِرْز اللّه حتى يوفيه صاحبه يوم القيامة"ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد . وخرجه الترمذي أيضًا عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما عمِل آدميٌّ من عملٍ يوم النحرِ أحبّ إلى اللّه من إهراق الدم إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها ، وإنّ الدم ليقعُ من اللّه بمكانٍ قبل أن يقع إلى الأرض فطِيبوا بها نفسًا"قال: وفي الباب عن عِمْران بن حُصَين وزيد بن أَرْقَم . وهذا حديث حسن .

الرابعة عشرة ودلّت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذبحه أنه يفديه بكبش كما فدى به إبراهيم ابنه؛ قاله ابن عباس . وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه؛ روى الروايتين عنه الشعبي . وروى عنه القاسم بن محمد: يجزيه كفارة يمين . وقال مسروق: لا شيء عليه . وقال الشافعي: هو معصية يستغفر اللّه منها . وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة ولا يلزمه في غير ولده شيء . قال محمد: عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث . وذكر ابن عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أنحر ولدي عند مقام إبراهيم في يمين ثم حنث فعليه هديٌ . قال: ومن نذر أن ينحر ابنه ولم يقل عند مقام إبراهيم ولا أراده فلا شيء عليه . قال: ومن جعل ابنه هَدْيًا أهدى عنه؛ قال القاضي ابن العربي: يلزمه شاة كما قال أبو حنيفة؛ لأن اللّه تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعًا ، فألزم اللّه إبراهيم ذبح الولد ، وأخرجه عنه بذبح شاة . وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة؛ لأن اللّه تعالى قال: { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } [ الحج: 78 ] والإيمان التزام أصليّ ، والنذر التزام فرعيّ؛ فيجب أن يكون محمولًا عليه . فإن قيل: كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد وهو معصية والأمر بالمعصية لا يجوز . قلنا: هذا اعتراض على كتاب اللّه ، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام ، فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام ، وقد قال اللّه تعالى: «افعل مَا تُؤْمَرُ» والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك: أن المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ذاتية للأعيان ، وإنما الطاعات عبارة عما تعلق به الأمر من الأفعال ، والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال؛ فلما تعلق الأمر بذبح الولد إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وابتلاء ، ولهذا قال اللّه تعالى: { إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين } [ الصافات: 106 ] في الصبر على ذبح الولد والنفس ، ولما تعلق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية . فإن قيل: كيف يصير نذرًا وهو معصية . قلنا: إنما يكون معصية لو كان يقصد ذبح الولد بنذره ولا ينوي الفداء؟ فإن قيل: فلو وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟ قلنا: لو قصد ذلك لم يضره في قصده ولا أثر في نذره؛ لأن نذر الولد صار عبارة عن ذبح الشاة شرعًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت