فَأُتِىَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ. فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِى أَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا. أَوْ قِيلَ لَهُ اقْتَحِمْ. فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِىٌّ لَهَا فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الْغُلاَمُ يَا أُمَّهِ اصْبِرِى فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ » (1) .
إنها قصة غلام نور الله بصيرته ، وآتاه من الإيمان والثبات ، والذكاء والفطنة ، ما استطاع به أن يغير حال أمة بأكملها ، وأن يزلزل عرش ذلك الطاغية المتجبر ، الذي ادعى الألوهية من دون الله ، فقد كان لهذا الملك ساحر يعتمد عليه في تثبيت ملكه ، وإرهاب الناس لينصاعوا لأمره ، فكبر سن هذا الساحر ، وطلب من الملك أن يرسل له غلاما ، ليرث علمه ، ويخلفه في مهمته ، وكان من إرادة الله الخير لهذا الغلام أن كان هو المرشح لهذه المهمة ، وتعرف في أثناء ذهابه إلى الساحر وعودته من عنده على راهب مؤمن ، دعاه إلى الإيمان والتوحيد فاستجاب له وآمن ، ودله الراهب على ما يتخلص به من تأنيب الساحر وتأنيب أهله في حال تأخره عنهم ، وقد أراد الغلام أن يزداد يقينا واطمئنانا بصحة ما دعاه إليه الراهب ، فوجد الفرصة سانحة عندما اعترضت دابة عظيمة طريق الناس فعلم وتيقن أنه على الحق والهدى .
وعندها عرف الراهب أنه سيكون لهذا الغلام شأن عظيم فأخبره بطبيعة ما سيلقاه في هذا السبيل ، وتعرضه لألوان من الابتلاء .
(1) -صحيح مسلم برقم (7703 )
المئشار: المنشار =الأخدود: الشق العظيم في الأرض =القرقور: السفينة قيل الصغيرة وقيل الكبيرة =تقاعست: توقفت ولزمت موضعها وامتنعت عن التقدم =الكنانة: وعاء السهام
شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 390)
هَذَا الْحَدِيث فِيهِ إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء .
وَفِيهِ جَوَاز الْكَذِب فِي الْحَرْب وَنَحْوهَا ، وَفِي إِنْقَاذ النَّفْس مِنْ الْهَلَاك ، سَوَاء نَفْسه أَوْ نَفْس غَيْره مِمَّنْ لَهُ حُرْمَة . وَالْأَكْمَه الَّذِي خُلِقَ أَعْمَى . وَالْمِئْشَار
مَهْمُوز فِي رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ ، وَيَجُوز تَخْفِيف الْهَمْزَة بِقَلْبِهَا يَاء ، وَرُوِيَ الْمِنْشَار بِالنُّونِ ، وَهُمَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ سَبَقَ بَيَانهمَا قَرِيبًا .
وَذُرْوَة الْجَبَل أَعْلَاهُ ، هِيَ بِضَمِّ الذَّال ، وَكَسْرهَا
وَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَل أَيّ اِضْطَرَبَ وَتَحَرَّكَ حَرَكَة شَدِيدَة ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ رَوَاهُ: فَزَحَفَ بِالزَّايِ وَالْحَاء ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْحَرَكَة ، لَكِنَّ الْأَوَّل هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور .
وَالْقُرْقُور بِضَمِّ الْقَافَيْنِ السَّفِينَة الصَّغِيرَة ، وَقِيلَ: الْكَبِيرَة ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي الصَّغِيرَة بَعْد حِكَايَته خِلَافًا كَثِيرًا .
وَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَة أَيْ اِنْقَلَبَتْ وَالصَّعِيد هُنَا الْأَرْض الْبَارِزَة . وَكَبِد الْقَوْس مِقْبَضهَا عِنْد الرَّمْي .
قَوْله: ( نَزَلَ بِك حَذَرك ) أَيْ مَا كُنْت تَحْذَر وَتَخَاف .
وَالْأُخْدُود هُوَ الشَّقّ الْعَظِيم فِي الْأَرْض ، وَجَمْعه أَخَادِيد وَالسِّكَك الطُّرُق ، وَأَفْوَاههَا أَبْوَابهَا .
قَوْله: ( مَنْ لَمْ يَرْجِع عَنْ دِينه فَأَحْمُوهُ فِيهَا ) هَكَذَا هُوَ فِي عَامَّة النُّسَخ: ( فَأَحْمُوهُ ) بِهَمْزَةِ قَطَعَ بَعْدهَا حَاء سَاكِنَة ، وَنَقَلَ الْقَاضِي اِتِّفَاق النُّسَخ عَلَى هَذَا . وَوَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ بِلَادنَا: ( فَأَقْحِمُوهُ ) بِالْقَافِ ، وَهَذَا ظَاهِر ، وَمَعْنَاهُ اِطْرَحُوا فِيهَا كُرْهًا . وَمَعْنَى الرِّوَايَة الْأُولَى اِرْمُوهُ فِيهَا مِنْ قَوْلهمْ حَمَيْت الْحَدِيدَة وَغَيْرهَا إِذَا أَدْخَلْتهَا النَّار لِتُحْمَى .
قَوْله: ( فَتَقَاعَسَتْ ) أَيْ تَوَقَّفَتْ وَلَزِمَتْ مَوْضِعهَا ، وَكَرِهَتْ الدُّخُول فِي النَّار . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .