كما أن كل فرد يجد في نفسه الإمكانات والمؤهلات الشخصية التي تؤهله لأن يحذو حذو هذا الشاب المبارك يمكنه أن يقوم بدور الوسيط الجراحي في منطقته أو مدينته بصورة رسمية تبعًا لجمعيات خيرية مشهرة رسمية أو مؤسسة عامة أو غيره، خاصة وأن مجتمعاتنا بحاجة شديدة لهذه المجهودات في ظل الوضع الاقتصادي السيئ لبعض الدول الإسلامية، وكذا وجود آلاف من الحالات المرضية قعيدة الفراش منتظرة للموت، لأنها لا تملك الإمكانات المالية اللازمة لإجراء تلك العمليات، في وقت يحتاج فيه كل عبد معافى إلى تحقيق إنسانيته وإرضاء ربه، يقول الشيخ شلتوت - رحمه الله:"إغاثة الملهوف خلق فاضل كريم تغرسه في الإنسان مجموعة من الخلال الفاضلة هي الرحمة، والمروءة، والشهامة، وبهذه الصفات الثلاث ينبغي أن يكون الفرق بين الإنسان والحيوان، فإذا كان المرء رحيم القلب، شهم الفؤاد، ذا مروءة ونجدة؛ ينبعث إلى إغاثة الملهوف، وتفريج كربة المكروب، وقضاء حاجة المحتاج؛ فذلك هو الإنسان".
يروي الذهبي في السير أن زين العابدين بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم أجمعين - كان يتفقد المعسرين والفقراء والمحتاجين، ويحمل لهم أحمال الدقيق والزيت على ظهره في جوف الليل، ويقول:"صدقة الليل تطفىء غضب الرب", ولم يكن أحد يعرف عمله ذلك, فلما مات افتقد مئة بيت في المدينة أجولة الدقيق والزيت والتمر، وبينما الناس يغسلونه إذا بآثار ما كان يحمله قد أثر في ظهره، فعرفوا أنه هو رحمه الله.
كما أن كل مسلم عنده نبتة طيبة هي نبتة البذل، وهي مؤهلة للإثمار، إذا رويت فالشاب الذي عرفنا قصته قد وفقه الله لري تلك النبتة في نفسه أولًا، ثم في عدد من الأشخاص المؤثرين من أطباء وأصحاب مستشفيات وأثرياء، وقد ظن بالله خيرًا فكانت العاقبة خيرًا، واستطاع أن يمسح دمعة الألم من عين كل مكلوم، فلماذا لا يروي كل واحد منا تلك النبتة ليجد بإذن الله حصادها وثمارها في الدنيا والآخرة، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة إذ يقول: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) .
http://www.almoslim.net:المصدر
لم تزل تكابدني آلام الأمة المحزونة، لم تزل تفارقني أشباح الأمة المطعونة، أمة المجد العظيم والشرف الكريم، سامتها أيدي الغدر ألوانا من الشر المهين؛ فتوسدت لحاف الذل والمهانة، وتجرعت كؤوس القهر والخيانة، وأُقعدت عن واجباتها ومهامها، وحجبت عن أحلامها آمالها.
وبات المرض يعوث أركان الجسد، ثم طرح أرضًا وشدت أركانه إلى وتد، وتكالبت عليه وحوش الأرض مع الذئاب، وغدت أوصاله مقطعة بين المخالب والأنياب؛ فذاك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه الإمام أحمد وأبو داود عن ثوبان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأُمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها) ، قال: قلنا يا رسول الله: أمن قلة بنا يومئذ؟! قال: (أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن) ، قال: قلنا: ما الوهن؟! قال: (حب الحياة وكراهية الموت) ، وفي رواية أخرى لأحمد: (وكراهيتكم القتال) .
فلتعلموا أهل الإسلام؛ أن الابتلاء تاريخ وقصة طويلة منذ أن نزلت"لا إله إلا الله"على هذه الأرض، فابتلي الأنبياء والصادقون، وكذلك الأئمة الموحدون.
فمن جرد نفسه لحمل كلمة"لا إله إلا الله"ونصرها وإقامتها في الأرض عليه أن يدفع تكاليف هذا التشريف من تعب ونصب وبلاء.
فأين أنت؛ والطريق طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمِيَ في النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيعَ يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشِرَ بالمنشار زكريا، وذُبِحَ السيد الحصور يحي، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم... وتزهى أنت باللهو واللعب؟!
والله تعالى يبتلي بعض الخلق ببعض، ويبتلي المؤمن بالكافر، كما يبتلي الكافر بالمؤمن، وهذا النوع من الابتلاء هو قاسم مشترك بينهم جميعًا، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك:1-2] .
روى مسلم عن نبينا صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: (إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك) .
والذي علمناه من القرآن والسنة أن من الأنبياء من قتله أعداؤه ومثلوا به كيحيى، ومنهم من هم قومه بقتله ففارقهم ناجيًا بنفسه كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام، وعيسى الذي رفع إلى السماء.
ونجد من المؤمنين من يُسام سوء العذاب، وفيهم من يلقى في الأخدود، وفيهم من يستشهد، وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد... فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا وقد طردوا أو قتلوا أو عُذبوا؟!
(1) - أبو مصعب رحمه الله