قال قتادة: «أما في الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، وفي الآخرة (في القبر) » وكذلك روي عن غير واحد من السلف. وقال - سبحانه: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] أي على الحق؛ ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يثابر على الأعمال الصالحة، وكان أحب العمل إليه أدومه وإن قل، وكان أصحابه إذا عملوا عملًا أثبتوه، وكانت عائشة - رضي الله عنها - إذا عملت العمل لزمته، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة وجبت له الجنة» (9) . وفي الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» (10) .
6 -الذكر والدعاء:
سبق أن تحدثت عن الدعاء وفضله وأثره. أما الذكر فهو حياة القلوب، وشفاء الصدور، وجلاء الأحزان، وأنس المستوحشين، وأمان الخائفين، فضله عظيم، وأثره عميم، وهو من أعظم أسباب التثبيت في الجهاد وغيره. قال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} [الأنفال: 45] ، وقال - سبحانه: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل ربه عند التضرع إليه وفي سجوده قائلًا: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (11) .
7 -الاستعانة بالله وحسن الظن به:
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله: «وتحت قوله - تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] كنز عظيم من وُفِّق لمظنته، وأحسن استخراجه واقتناءه، وأنفق منه فقد غنم، ومن حُرِمَه فقد حرم؛ وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين؛ فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانها، وقد قال - تعالى - لأكرم خلفه: {وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74] ، فأثبت الناس قلبًا أثبتهم قولًا. والقول الثابت هو قول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكاذب. فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له. وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها؛ فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة، فما مُنح عبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكون إليه في قبورهم ويوم معادهم» (12) .
وبهذا يتضح أن الاستعانة بالله وحسن الظن به وإخلاص العبادة له، من أقوى الأسباب المعينة على تثبيت الله لعبده بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة (13) .
8 -الصحبة الصالحة، والأُخوة الصادقة:
إن الصحبة الصالحة والأُخوة الصادقة من أعظم الأمور المساعدة على الثبات على الدين والاستقامة عليه؛ إذ المؤمن الصادق يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهو مرآة له، كما جاء في الحديث، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمصاحبة الطيبين وتخير الصالحين فقال: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (14) .
وهذا يدل على أثر الأخوة الصالحة في الثبات (15) .
(*) مدرس بدار الحديث الخيرية، مكة المكرمة.
(1) رواه مسلم.
(2) رواه أحمد والنسائي وهو حديث حسن.
(3) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
(4) رواه البخاري ومسلم.
(5) رواه مسلم.
(6) رواه مسلم.
(7) رواه أحمد والطبراني والحاكم، وقال: حديث صحيح.
(8) رواه مسلم.
(9) رواه الترمذي، 379، والنسائي، 1771، وابن ماجة، 1130، ولفظ الترمذي «بنى الله له بيتًا في الجنة» .
(10) رواه الترمذي وقال حديث حسن.
(11) رواه الترمذي وهو في صحيح الجامع الألباني.
(12) أعلام الموقعين، 1/ 76.
(13) انظر: صفة الاستعانة، حسن الظن.
(14) الترمذي، 2318، وأبو داود، 4192، وأحمد، 10909.
(15) انظر: صفة حسن العشرة، حسن المعاملة، النصيحة.
شوال 1424، نوفمبر - ديسمبر 2003.
محمد صالح المنجد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الثبات على دين الله مطلب أساسي لكل مسلم صادق يريد سلوك الصراط المستقيم بعزيمة ورشد.
أهمية الموضوع تكمن في أمور منها: -
وضع المجتمعات الحالية التي يعيش فيها المسلمون، وأنواع الفتن والمغريات التي بنارها يكتوون، وأصناف الشهوات والشبهات التي بسببها أضحى الدين غريبًا، فنال المتمسكون به مثلًا عجيبًا (القابض على دينه كالقابض على الجمر) .
ولا شك عند كل ذي لُب أن حاجة المسلم اليوم للثبات أعظم من حاجة أخيه أيام السلف والجهد المطلوب لتحقيقه أكبر.