فهرس الكتاب
-كثرة حوادث الردة والنكوص على الأعقاب، والانتكاسات بين المسلمين؛ مما يحمل المسلم على الخوف من أمثال تلك المصائر، ويتلمس وسائل الثبات للوصول إلى بر آمن.
-ارتباط الموضوع بالقلب؛ الذي يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأنه: (لَقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القِدْر إذا استجمعت غليانًا) [1] .
ويضرب - عليه الصلاة والسلام - للقلب مثلًا آخر فيقول: (إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب مثل ريشة بالفلاة تعلقت في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرًا لبطن) [2] ، فسبق قول الشاعر: ما سمي الإنسان إلا لنسيانه ولا القلب إلا أنه يتقلب فتثبيت هذا المتقلب برياح الشهوات والشبهات أمر خطير يحتاج لوسائل جبارة تكافئ ضخامة المهمة وصعوبتها.
ومن رحمة الله - عز وجل - بنا أن بيّن لنا في كتابه وعلى لسان نبيه وفي سيرته وسائل كثيرة للثبات، أستعرض معك - أيها القارئ الكريم - بعضًا منها:
أولًا: الإقبال على القرآن: القرآن العظيم وسيلة التثبيت الأولى وهو حبل الله المتين، والنور المبين، من تمسك به عصمه الله ومن اتبعه أنجاه الله، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم.
نص الله على أن وظيفة هذا الكتاب والغاية التي من أجلها أنزله منجّمًا مفصلًا هي التثبيت، فقال -تعالى - في معرض الرد على شُبه الكفار: (وقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ورَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا(32) ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [الفرقان: 32، 33] .
كيف يكون القرآن مصدرًا للتثبيت؟ !
* لأنه يزرع الإيمان ويزكي النفس بالصلة بالله.
* لأن تلك الآيات تنزل بردًا وسلامًا على قلب المؤمن الذي تعصف به رياح الفتنة، فيطمئن قلبه بذكر الله.
* لأنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع من خلالها أن يقوّم الأوضاع من حوله، وكذا الموازين التي تهيئ له الحكم على الأمور فلا يضطرب حكمه ولا تتناقض أقواله باختلاف الأحداث والأشخاص.
* إنه يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين كالأمثلة الحية التي عاشها الصدر الأول.
ما هو أثر قول الله - عز وجل: (مَا ودَّعَكَ رَبُّكَ ومَا قَلَى) [الضحى: 3] على نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قال المشركون: ودع محمد [3] ؟! ما هو أثر قول الله - عز وجل: (لِّسَانُ الَذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) [النحل: 103] لما ادعى كفار قريش أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- إنما يعلمه بشر وأنه يأخذ القرآن عن نجار رومى بمكة؟! ما هو أثر قول الله - عز وجل: (أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا) [التوبة: 49] في نفوس المؤمنين لما قال المنافق (ائْذَن لِّي ولا تَفْتِنِّي) [التوبة: 49] ؟ ! أليس تثبيتًا على تثبيت، وربطًا على القلوب المؤمنة، وردًا على الشبهات وإسكاتًا لأهل الباطل.. ؟ بلى وربى.
ومن هنا نستطيع أن ندرك الفرق بين الذين ربطوا حياتهم بالقرآن وأقبلوا عليه تلاوة وحفظًا وتفسيرًا وتدبرًا؛ منه ينطلقون، وإليه يفيئون، وبين مَن جعلوا كلام البشر جل همهم وشغلهم الشاغل.
ثانيًا: التزام شرع الله والعمل الصالح: قال الله - تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفِي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: 27] .
قال قتادة: أما (في الحياة الدنيا) فيثبتهم بالخير والعمل الصالح (وفي الآخرة) في القبر.
وكذا روي عن غير واحد من السلف [4] .
وقال - سبحانه: (ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتًا) [النساء: 166] ، أي على الحق.
وهذا بيّن، وإلا فهل نتوقع ثباتًا من الكسالى القاعدين عن الأعمال الصالحة إذا أطلت الفتنة برأسها وادلهمّ الخطب؟ ولكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم الله إليه صراطًا مستقيمًا ويثبتهم بما ثبتوا به أنفسهم في الدنيا.
ثالثًا: تدبر قصص الأنبياء ودراستها للتأسي والعمل: والدليل على ذلك قوله - تعالى: (وكُلًاّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [هود: 120] .
فما نزلت تلك الآيات على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للتسلية والتفكه، وانما لغرض عظيم هو تثبيت فؤاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفئدة المؤمنين معه.
فلو تأملت - يا أخي! - قول الله - عز رجل: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ(68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلَى إبْرَاهِيمَ (69) وأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ) [الانبياء: 68-70] ، قال ابن عباس: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: (حسبي الله ونعم الوكيل) [5] .