فهرس الكتاب

الصفحة 1137 من 1236

وبناءً على ذلك فان الانسان قد يمتلك صوتًا، أو قوة بدنية، أو ماء وجه، أو مالًا.. فأي شيء يمتلكه هو امتحان له. هذا بالنسبة الى القوي الذي يملك شيئًا، أما بالنسبة الى الضعيف، أو المطارد، أو المهاجر فحرام عليه أن يبيع نفسه. فهناك الآن نوع جديد من سوق النخاسين، يتمثل في أن يقال له: إنتمي إليَّ وأعطيك المبلغ الفلاني ! طيب إذا كنت مؤمنًا بهذا الخط والفكر والقيادة وهذا التجمع، فأهلًا وسهلًا، وانتمي إليه بايمانك. أما إذا كنت غير مؤمن بهم، ولكنك من أجل رأس المال الذي يملكونه تخضع لهم ولأفكارهم وخطهم وثقافتهم، فان هذا يعني بيع النفس. وللأسف فان بعض الناس يقول: من يدفع أكثر أنا معه! كيف يكون ذلك؟ إن هذا طاغوت، والانسان الذي يتبع من لا يؤمن به طمعًا في ماله، أو خوفًا من سطوته، فانما يتبع الطاغوت، في حين إن عليه أن يتبع الله عز وجل.

وفي هذا المجال يروى إن معاوية بعث عسلًا الى عائلة عمار بن ياسر، وكانت هذه العائلة لم تأكل شيئًا لثلاثة أيام، فأخذت طفلة من هذه العائلة قليلًا من العسل، ووضعته في فمها، ثم يأتي أبوها و يرى إبنته تأكل من العسل. فقال لها: أتعرفين من بعث هذا العسل؟ إنه معاوية. فما كان من الطفلة إلاّ أن قذفت العسل.

وهكذا فان على الانسان ان يحذر؛ فالفقير فقره امتحان، فعلينا أن لا ننظر إليه نظرة إحتقار، إذ من الممكن أن يكون أفضل منا تقوى وإيمانًا، وإن صبره على فقره هو أكبر أجر له من الله تعالى من إحترامنا للغني. وكذلك المهاجر من بلده، صحيح انه لا يملك وطنًا، ولكنه يملك شخصية وعنده إيمان واستقلال فلابد من احترامه وتقديره، وفي ذات الوقت يجدر بالمهاجر أن لا يركض وراء أية راية ترفع، بل يجدر به أن يعرف أية راية هي، وهل هو مقتنع بها حقًا أم لا.. لأن من طبيعة الإنسان أنه يخلط المصلحة بالدين، والهوى بالحق.. فلابد من التمييز بينهما.

وعلى هذا المنوال الصحيح مبتلى بعافيته، والسقيم مبتلى بسقمه، والحاكم مبتلى بقدرته، والمحكوم مبتلى بضعفه.. فالحياة كلها إبتلاء، وفهم حكمة الإبتلاء فيها يجعلنا نحيا حياة سعيدة.

وعلى هذا ينبغي على كل من يملك علمًا أو جاهًا أو قوة.. وعلى كل من ابتلي بفقر أو ضعف.. أن يفهموا أن هذه الدنيا محفوفة بالابتلاءات، وأنها ليست ببعيدة عن كل واحد منا، ولا مناص لنا إلاّ ان نطلب من الله بقوته وقدرته، وبحق نبينا الأعظم وأهل بيته أن يعيننا على أنفسنا في مزالق الحياة، وأن لا يكلنا الى أنفسنا طرفة عين أبدًا.

عندما خرج سيدنا وإمامنا أبو عبد الله الحسين عليه السلام من مكة تلقاء العراق قاصدًا الكوفة، توافدت عليه مجموعات من المعارضين للنظام الأموي، والقاعدين عن الجهاد.. يتساءلون عن السبب الذي دفع الإمام عليه السلام الى الخروج في هذا الوقت، في حين إن الظروف المناسبة لخروجه ضد طاغية عصره يزيد بن معاوية لم تنضج بعد حسب تصورهم.

وقد أجاب عليه السلام كل فريق باجابة مختلفة؛ كل حسب فهمه وظروفه وانتماءاته. فقد قال لبعض:"إنَّ بني امية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت". (1)

وقال لمجموعة أخرى:

"كتب إليَّ أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، يسألوني القدوم إليهم ففعلت". (1)

وعندما أتته أفواج مسلمي الجن، فقالوا: يا سيدنا؛ نحن شيعتك وانصارك، فمرنا بأمرك وما تشاء. فلو أمرتنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك. فجزاهم الحسين خيرًا، وقال لهم: أو ما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله (أيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشّيَّدَةٍ(، وقال سبحانه: (لَبَرَزَ الَّذينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلَى مَضَاجِعِهِمْ ( وإذا أقمت بمكاني فبماذا يبتلى هذا الخلق المتعوس، وبماذا يختبرون؟"(2) محددًا لذوي البصائر هؤلاء حكمة الهية لخروجه تتصل بمهمة الأنبياء جميعًا، والأوصياء كلهم، لأنهم يسيرون على نهج الانبياء عليهم السلام."

فهناك أهداف وتطلعات يسعى المقربون والسابقون والصديقون الى تحقيقها، وهذه الأهداف هي أعلى وأسمى من الأهداف السابقة، رغم أن كليهما مشروعان.

إن الصديقين والاوصياء لا يأبهون بحسابات الربح والخسارة، ولا يجعلون هدفهم الرئيس إسقاط هذا الطاغية أو ذاك، بل يستهدفون الامتثال لأوامر الله تعالى؛ أي إنهم يريدون تحقيق إرادته عز وجل في الأرض.

وهناك أهداف سياسية وأخرى رسالية ينبغي على المؤمن أن يسعى لتحقيقها، ذلك لأنه يريد إقامة حكم الله في الأرض، وإزاحة حكم الطغاة، وتحرير الانسان من عبودية الظالمين، وبالتالي تحقيق الرفاه والسعادة للبشر.. وهذه هي الأهداف التي يتطلع المؤمنون المجاهدون لتحقيقها.

ومن حكم الله سبحانه في خلق الانسان، وسائر الأنظمة والسنن التي تحوم حول الانسان؛ ابتلاؤه وفتنته واختبار إرادته. والامتحانات هذه على أقسام؛ فقد يكون الامتحان فرديًا كأن يبتلى الانسان بمال حرام يحتاج إليه، أو امرأة محرمة تشتهيها نفسه، أو سلطة تهويها نفسه.. والانسان الفرد هو الذي يمتحن في هذا المجال.

الامتحان الجماعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت