وهناك إمتحان آخر على مستوى أعلى، وهو إمتحان المجتمع ككل؛ بحيث يوضع الناس كلهم في غربال ويغربلون ليعرف من الصامد، ومن المتهاوي، ومن الذي كان يجري وراء المناصب، ومن الذي يبحث عن الحق، ومن المستقيم على الطريق، ومن الذي يتساقط يمنة وشمالًا كأوراق الخريف..
والآيات القرآنية تبين أن الفتنة في حياة الانسان، لابد وأن تسير في هذا الاتجاه. فالانسان في اللحظات الحرجة حيث تختلف الأهواء، وتتناقض المذاهب، وتعم الحيرة في إختيار الطريق المستقيم، لابد أن يختار الطريق الذي يأمره به إمامه وقائده، أي إن عليه أن لا يبحث عن ما تهويه نفسه، بل عن ما يأمره به دينه.
وفي هذا المجال يقول عز وجل: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ((النور/51) .
فلابد أن نتنازل عن أهوائنا وشهواتنا الى ما يريده الله، وأن نبحث عن القسطاس المستقيم، والفرقان، والحجة بيننا وبينه عز وجل. والحجة هي كلام الله، وسيرة الرسول، وطاعة من أمر الرسول صلى الله عليه وآله بطاعته.
ثم يقول تعالى في وصف المنافقين: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ((النور/53) .
فهناك من الناس من يسير مع الرسول صلى الله عليه وآله، ومع من هو في خطه ما سارت مصالحهم، فان تضررت مصالحهم هذه كفوا عن نصرته. وقد أشار الإمام الحسين عليه السلام الى هذه الطائفة من الناس في قوله:"الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فاذا محّصوا بالبلاء قلَّ الديانون". (1)
إن الانسان لا يمكن فصله عن ماضيه، ولا يمكن أن يولد في كل يوم من جديد، بل لابد أن يتأثر في سلوكياته بالعوامل الاجتماعية والتاريخية والخط الذي كان ينتمي إليه. والقرآن الكريم يؤكد إن أولئك الذين يأمرهم الرسول بالجهاد ثم يحلفون بالله أنهم يطيعونه، فاذا أمرهم بالخروج في ساعة الحسم والمواجهة إذا بهم ينكثون، ويخلفون وعدهم. إن هؤلاء كانت حياتهم، ومسيرتهم معروفتين، وهي مسيرة المنافقين الذين يتربصون الدوائر بالمؤمنين، فان وجدوا مؤمنًا قد ابتلي إنفجرت ألسنتهم وأقلامهم ضد كل المؤمنين ليشفوا غلّ صدورهم، ويشيعوا السلبيات بين أفراد المجتمع.
والقرآن الكريم يشير الى أن أمثال هؤلاء ينبغي معرفتهم من خلال خطوطهم السابقة، فلا يمكن للانسان أن يكون في خط منحرف لفترة طويلة ثم يسير فجأة على الخط المستقيم، ويبادر الى الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله والخط الرسالي دفاعًا مستقيمًا. إنه في الواقع لا يدافع عن الخط الرسالي، بل عن مصالحه.
أهم مواصفات القيادة
ويقول تعالى مؤكدًا على أهمية القيادة: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ((النور/54) ، فمن أهم مواصفات القيادة حسم الصراعات، والقضاء بين الناس بالحق، وأن تتدخل في اللحظات الحرجة لتنقذ المسلمين من المآزق.. وعلى المسلمين بدورهم أن يلتفوا في هذه الظروف حول القيادة، وأن لا يتطرفوا فيمرقوا عن الدين، بل يكونوا مع القيادة أينما كانت.
وإذا ما وجدنا حركة رسالية في هذا المستوى فلنبشرها بالنصر، لأن القرآن الكريم يقول: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا((النور/55) .
ونحن بصفتنا مؤمنين علينا أن نطيع الله، ونستقيم على الطريقة، وأن لا نطغى في الأرض، ولا نظلم أحدًا، ولا نتطرف ضد هذا وذاك، ولا ننخدع بالحسابات السياسية العاجلة، بل علينا أن ندع طريقنا يأخذ مجراه باتجاه خط الانبياء، وبذلك سنضمن نصر الله تعالى بحوله وقوته.
فلابد أن نستقيم، وأن ننظر الى واجبنا الشرعي، وهو أن نخدم الاسلام في أي مكان كان وبكل الوسائل الممكنة. فالمهم أن نسير في الاتجاه الصحيح، وأن يرضى عنا الخالق، وحاشى له عز وجل أن يأمرنا بأمر فنطيعه، ونتوكل عليه، ويعدنا بالنصر ثم يخلف وعده.
ولو كان المؤمنون العاملون للصالحات شجعانًا متوكلين على ربهم، لما بقي أثر من الكفر في الأرض، ولكن المشكلة كامنة في نفوسنا.