فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 1236

فيا أيها الأخ المؤمن إنك وأمثالك من المؤمنين في هذه الحياة معرضون لألوان من الابتلاء والاختبار بخير أو بشر، بخير كالمال والصحة والولاية ليرى هل تؤدي حق الله فيما أعطيت من مال بأداء ما أوجب الله عليك فيه من إنفاق وغير ذلك، وهل قصرت النفس حال الصحة؟ والابتلاء على المأمورات وكبح جماحها عن ارتكاب المنكرات، وهل أديت حق الله فيما استخلفت عليه من مصالح المسلمين؟ {ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} ، {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} .

وكما يبتلي - تعالى - عباده بالخير يبتليهم بالشر كالمرض وتسليط الأعداء وليس ذلكم - كما أسلفت - لإهانة أو تعذيب، ولكنه لتقوية الإيمان الحق والحصول على مثوبة الصبر على البلاء كما حصل لنبي الله أيوب - عليه السلام - من الابتلاء بالمرض الذي بلغ به أن تخلى عنه جميع أهله، وأبينا إبراهيم - عليه السلام - من تسليط قومه وإلقائهم إياه في النار، ولنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من الأذى والمضايقة والتآمر ضده. المؤامرة التي فضحها القرآن {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} ، وماذا كان.. فأيوب كشف الله ضره وآتاه أهله ومثلهم معهم رحمة من الله وذكرى لأولي الألباب، وإبراهيم، يقول الله للنار التي أججت لإحراقه: {كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم} ويجعله أمة يقتدى به {إن إبراهيم كان أمة} ويجعل له لسان صدق في الآخرين، ومحمد الذي أفلت من المؤامرة الدنيئة وخرج من مكة مختفيًا مطاردًا يعود يطل عليها من أعلى طريق فيها فاتحًا بل يطل على الدنيا على الأمة جميعها موجهها إلى رب واحد، وقبلة واحدة، وقيادة واحدة، ويصبح هو إمامها بما بلغها عن الله إلى يوم القيامة، بل وفرطها على الحوض وشفيعها عند الله وفاتح باب الجنة لها.

فاتقوا الله - أيها المسلمون - اتقوه تقوى المؤمن الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم: (عجبًا للمؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له،وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) . اتقوا الله وأثبتوا على إيمانكم الذي جاء من عند الله، واصبروا على ما قد تبتلون به وما كلفتم به من الله، وأدوا حق الله فيما أعطاكم وولاكم ولا يطغينكم عز ورخاء أو صحة وثراء، ولا تضعفنكم الأحداث والشدائد والمضايقات فما هي إلا برهة قليلة ثم يأتي فرج الله ونصره ومثوبته لمن قام بأمره، كما جاء لأيوب وإبراهيم ومحمد عليه - الصلاة والسلام - ، وأتباعهم ممن ابتلو وأوذوا في الله وستكون العقبى لأتباعهم كما كانت لهم من قبل - إن شاء الله - {فإن مع العسر يسرًا إن مع اليسر يسرًا} { سيجعل الله بعد عسر يسرًا } . أقول قولي هذا، وأسأل الله - تعالى - أن يثبت أقدامنا، وينصرنا على القوم الكافرين.

عبد القادر أحمد عبد القادر

"عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال:"الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض، ما عليه خطيئة" (1) ."

شدتني أخبار ابتلائه - صلى الله عليه وسلم -، وكان لشدة الابتلاءات التي نزلت به دفع شديد لأتعرف على كل بلاء قرأت عنه في القرآن الكريم أو في سيرته، فوجدته القدوة، مثلما هو في جميع أعماله ومكوناته! وأحسبني بهذا البحث، قد وقعت على كنز من أثمن كنوز سنته وسيرته! ولقد طالعت نيفًا وعشرين ابتلاء، حدث له، وعاناه، فاستحسنت أن أخصها بمتابعة، عسى الله أن ينفع بها الأحبة السائرين في طريق دعوته، وعلى دربه، راجيًا أن يكون ذلك عونًا للدعاة والمجاهدين، بل للمبتلين.

ولنبلونكم:

بالتأمل في كلمة"ولنبلونكم"، التي وردت في سورة البقرة، الآية 155، وفي سورة محمد، الآية 31، وفي كلمة"لتبلون"، التي وردت في سورة آل عمران، الآية 186، نجد الفعل المضارع، الذي يفيد الاستمرار والاستقبال، ونجد تعدد المؤكدات مع كل فعل - اللام والنون الثقيلة في الأفعال - هذا التوكيد المتكرر، لا يتركنا حيارى أمام هذا الواقع، الذي يعيشه المؤمن المبتلى أو الجماعة المبتلاة، ولا نبقى حيارى أمام كثرة الابتلاءات النازلة بعباد الله الصالحين، (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (2) ، (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم) (3) ، (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت