فهرس الكتاب

الصفحة 883 من 1236

فإذا استحضرنا حديث مصعب بن سعد مع هاتين الآيتين، برقت الأبصار، وسطعت البصائر أمام وضوح الحديث القرآني والنبوي في تبيان السنة الإلهية الماضية بحق العبد الصالح،"فإن كان دينه صلبًا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد، حتى يتركه يمشي على الأرض، ما عليه خطيئة".

تحدثت عن ابتلاء العباد الصالحين هاهنا، والموضوع في ابتلاءات سيد المرسلين كحديث الفرع بعد الأصل.

الابتلاء الأول: محمد اليتيم:

إن حاجة المولود إلى أبيه لا تخفى على أحد، لاسيما في البيئة العربية ونظام المراضع، اللواتي يحظين بالعطاء الجزيل، في مقابل إرضاع المولود شكل من أشكال العز، الذي يحيط بالمولود، ثم يبقى مع سيرة الولد، فيقال: المسترضع في بني فلان أو بني فلان، يبقى حديث الرضاعة جزء من سيرة الرجل، فإذا ما صار للرجل شأن، كان ذلك من مفاخر المرضع وقبيلتها!

لم يشعر المولود بهذا الحرمان، ولكن مثله حينما يتذكر أيامه في المهد على هذه الحال، غالبًا ما يتأثر، خاصة إذا توالت عليه النوائب.. كموت الأم، ثم موت الجد، ثم التواجد التكافلي في بيت العم، رغم حنو هذا العم، ورغم تتابع السنين في بيت عطوف، إلا أننا لا ندري ماذا عانى محمد مما يعانيه الأطفال في مثل سنه، وفي غير بيته؟!

إن الضعف النفسي والانكسار الوجداني لليتيم، ثم اللطيم (4) ، كان من إرادة الله بهذا الطفل، الذي يعده الله لأمر عظيم، على خلاف أحوال الأطفال، الذين قد يعدون في نعمة الآباء، ونعيم الأمهات لشؤون دنيوية، بل على خلاف أحوال أنبياء سابقين، أُعدوا بين آبائهم وأمهاتهم.

روى عدد من كتاب السيرة والمحدثين الثقات أن عبد المطلب أرسل محمدًا ذات مرة في طلب إبل له، ضلت، فغاب وقتًا، فحزن عليه جده حزنًا شديدًا، وعندما عاد محمد بالإبل، أقسم عبد المطلب ألا يبعثه في حاجة له أبدًا، ولا يفارقه بعد هذا أبدًا!

ولما مات جده، اعتنى به عمه أبو طالب، فكان لا ينام إلا ومحمد إلى جنبه، ولا يخرج إلا معه، ويخصه بالطعام، ولا يأكل إلا عندما يحضر محمد، وظل يحوطه بعنايته إلى ما بعد البعثة، حين حاربه جميع قومه...

أسأل القارئ: هل يعوض ذلك كله عن عطف الأب وحنان الأم؟

لقد صنع الله للطفل محمد اليتيم شيئًا من عطاء الأبوة والأمومة في قلوب الجد والعم وتوابعهما (ألم يجدك يتيمًا فآوى) ، ولكن من أعطف من الأب؟ ومن أحن من الأم؟؟ اللهم إلا أنت، يا خالق العطف، والرب العطوف، ويا خالق الحنان، وأنت الذي أسميت نفسك الحنّان.

لقد طلب - صلى الله عليه وسلم - من ربه أن يزور قبر أمه، فأذن له.. فعلام يدل طلب هذه الزيارة؟

روى مسلم في صحيحه:"استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي". وعند النسائي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: زار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبر أمه، فبكى، وأبكى من حوله، وقال:"استأذنت..."الحديث. إنه حتى بعد أن غمرته - صلى الله عليه وسلم - أنوار النبوة، هاهو ذا يعيش لوعة الشوق إلى الأم والتعلق بها، إنها الفطرة السوية وما يتعلق بها من حنين، وما أصابه وبقي في نفسه بسبب فقد حنان الأم حينًا من الدهر في طفولته.

(1) حسن صحيح: الترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي.

(2) البقرة: 155.

(3) محمد: 31.

(4) الذي فقد أبويه.

نِعَم.. ونِقَم.. وابتلاءات

د. جمال المراكبي

إن ما يمر به عالمنا الإسلامي الآن يجعلنا نتساءل: لماذا أصبح المسلمون هدفًا للمصائب والكوارث والحروب؟ فالمسلمون هم أكثر الشعوب معاناة على وجه الأرض، فهم وقود للحروب والصراعات، وضحايا للاعتداءات الوحشية في كل بقاع الأرض، ثم تأتي الكوارث الطبيعية لتقف هي الأخرى ضدهم، لنجد أكثر ضحايا الزلازل والفيضانات والأعاصير والمجاعات والأمراض والأوبئة الفتاكة من المسلمين!!

سؤال يتردد على ألسنة الكثيرين، هل هو غضب الله على المسلمين؟ ولماذا لا نجد مثل هذه الابتلاءات في غير المسلمين؟ ولماذا ينعم الله عز وجل بصنوف كثيرة من النعم على غير المسلمين؟

والسؤال يتضمن الكثير من المغالطة، فالمصائب والكوارث ليست حكرًا على المسلمين دون غيرهم، ولكن آثارها السلبية تكون أكثر ظهورًا بين المسلمين المصابين بأمراض الجهل والتواكل والسلبية والتخلف، بينما تخفّ هذه الآثار في المجتمعات المتقدمة وأغلبها من غير المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والبلاء يعمُّ المسلم والكافر، ويكون بالنعمة والنقمة، قال - تعالى:"الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور" {الملك:2} .

وقال - تعالى:"فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث أكلا لما (19) وتحبون المال حبا جما" {الفجر: 15- 20} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت