ولا تنس ذكر الله تعالى شكرًا على العطاء، وصبرًا على البلاء، وليكن ذلك إخلاصًا وخفية بينك وبين ربك.
ولا تنس أنَّ الله تعالى يراك، ويعلم ما بك، وأنَّه أرحم بك من نفسك ومن الناس أجمعين، فلا تشكونَّ إلاَّ إليه !. واعلم بأنَّك:
إذا شكوتَ إلى ابن آدم فكأنَّما تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يرحم
ولا تنس إذا أُصبت بأمرٍ عارضٍ، أن تحمد الله أنَّك لم تُصَب بعرضٍ أشدَّ منه، وأنَّه وإن ابتلاك فقد عافاك، وإن أخذ منك فقد أعطاك.
ولا تنس أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنَّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنَّ عِظم الجزاء من عظم البلاء، وأنَّ لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبر واحتسب، ودع الجزع فإنَّه لن يفيدكَ شيئًا، وإنما سيضاعف مصيبتك، ويفوِّت عليك الأجر، ويعرضك للإثم.
ولا تنس أنَّه مهما بلغ مصابك، فلن يبلغ مصاب الأمة جمعاء بفقد حبيبها عليه الصلاة والسلام، فتعزَّ بذلك، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنَّها من أعظم المصائب" [ رواه البيهقي وصححه الألباني ] .
ولا تنس إذا أصابتك أيُّ مصيبةٍ أن تقول: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أجِرْني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها. فإنَّك إن قلت ذلك؛ أجارك الله في مصيبتك، وخلفها عليك بخير.
ولا تنس أن لا يأس من روح الله مهما بلغ بك البلاء، فإنَّ الله سبحانه يقول: {فَإِن مَعَ العُسرِ يُسرًا (5) إِن مَعَ العُسرِ يُسرًا} . [ الشرح: 5-6 ] . ولن يغلب عسرٌ يسرين، كما قال عمر الفاروق رضي الله عنه. ثم حذارِ أن تنسى فضل الله عليك إذا عادت إليك العافية، فتكون ممن قال الله عنه: {وَإِذَا مَس الإِنسانَ ضُر دَعَا رَبهُ مُنِيبًا إِلَيهِ ثُم إِذَا خَولَهُ نِعمَةً منهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدعُو إِلَيهِ مِن قَبلُ…} الآية [ الزمر: 8 ] .
ثم لا تنس أن البلاء يذكرك بساعةٍ آتيةٍ لا مفر منها، وأجلٍ قريبٍ لا ريب فيه، وأنَّ الحياة الدنيا ليست دار مقرٍ. فاعمل لآخرتك؛ لتجد الحياة التي لا منغِّص لها.
وقبل الوداع أذكِّرك وأُبشرك بما بدأت به، وهو قول الحق جلَّ وعلا: {وَلَنَبلُوَنكُم بِشَيء منَ الخَوف وَالجُوعِ وَنَقصٍ منَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثمَراتِ وَبَشرِ الصابِرِينَ (155) الذِينَ إِذَا أَصَابَتهُم مصِيبَةٌ قَالُوا إِنا لِلهِ وَإِنا إِلَيهِ راجِعونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ من ربهِم وَرَحمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهتَدُونَ} . [البقرة:155-157] .
وأخيرًا، أسأل الله أن يجعلنا جميعًا من الصابرين على البلاء.. وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
نجلاء محفوظ **
قد يفترق الأحبة عند هذا الاختبار
يبدأ أي زواج بأحلام كثيرة في الفوز بالسعادة الدنيوية، وإكمال نصف الدين، من خلال حسن رعاية الزوج لزوجته، وسعي الزوجة لإرضاء زوجها، وتفانيهما في تنشئة أطفالهم، ليربحوا المكاسب الدينية والدنيوية أيضا.
ويتعرض بعض الأزواج لاختبار تأخر الإنجاب، ومع الأسف لا توفق نسبة كبيرة منهم في هذا الاختبار، ويخسر بعضهم دنياه، والبعض الآخر يفقد جزءًا (غاليا) من دينه، ونسبة لا بأس بها تخسر الاثنين معًا.
فمن أهم أخطاء التفكير التي يقع فيها بعض من يتألمون لتأخرهم في الإنجاب، التعامل مع هذا التأخر على أنه عقاب من الله عز وجل، أو دليلًا على عدم رضائه سبحانه وتعالى عنهم. ولا شك أن هذا منفذ من منافذ إبليس اللعين، يتسلل به إلى هؤلاء، ليفسد عليهم دينهم ودنياهم، ويحرمهم من فرص الفوز بأجر الصابرين على الابتلاء، فضلًا عن السعي للأخذ بالأسباب.
قال ابن رجب- رحمه الله-: (واعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدّر الله سبحانه المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب إيمان به، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} [النساء:71] ، وقال: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْل} [الأنفال:60] ، وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة:10] .
ولا يتمكن -بالطبع- من يشعر بسخط الله عليه أو عقابه له من الأخذ بالأسباب؛ لأن الشيطان يجعله ييأس من فعل أي شيء، ويدفعه قوله تعالى في الدستور الخالد: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} .
وعلى الوجه المقابل، نجد البعض يلجأ إلى الاستسلام للأمر الواقع، ويرفض التداوي ليس ليأسه، وإنما لخوفه من الإحباطات المتتالية، ويلبس ذلك ثوبًا مزيفًا من ادِّعاء الإيمان، فيخدع نفسه بإيعاز من النفس المهلكة، وتضامن مع الشيطان الرجيم، فيقول لنفسه: الله يعلم كل شيء، لا داعي لطلب العلاج، سأكتفي بالدعاء والتوسل للرحمن.