ولا شك أن الدعاء هو مخ العبادة، وأن العزيز الحكيم قادر على أن يشفي المريض دون دواء، ولكن التأدب مع الرحمن يوجب علينا أن نأخذ بوصية رسوله الحبيب - عليه صلوات الله وسلامه- وهو التداوي، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء) رواه البخاري، وفي رواية (من داء) .. وعن جابر رضي الله عنه عن النبي r قال: (لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى) رواه مسلم.
الأخذ بالأسباب
ونتذكر هنا أن ترك الأخذ بالأسباب معصية، وأن التوكل عليها شرك. ونذكر بالأخيرة حيث يكثر بين من يتعرضون لاختبار التأخر في الإنجاب، السعي بكل قواهم، بنفس لا تهدأ وبقلب يغمره القلق، وروح لا تعرف السلام النفسي؛ إلى طلب التداوي بكل قواهم، والبحث عن أيه بادرة أمل.
بل ينصب الشيطان لبعضهم -تحت وطأة الرغبة في الإنجاب- (فخ) عبر معاونيه من البشر، والذين يقترحون عليه الذهاب إلى الدجالين، الذين يدعون قدرتهم على مساعدته على الإنجاب من خلال أعمال السحر وما شابه ذلك، فيفقد دينه ويدخل -والعياذ بالله- في دائرة الشرك بالواحد الأحد.
وهناك آخرون يصرخون من شدة الألم إثر أي فشل لأي علاج، أو عدم حصول نتيجة إيجابية بعد أي جراحة، ويتسرب الحزن إلى قلوبهم، ويتوطن فيه، ويقولون لقد فعلنا كل شيء، وأخذنا أفضل الأدوية، وذهبنا إلى أمهر الأطباء، وإلى أحسن المستشفيات المتخصصة في العالم، وتكبدنا الأموال الباهظة، والجهود النفسية والجسدية المؤلمة، فلماذا لم تكلل جهودنا بالنجاح؟
ومع كامل احترامنا لرغبتهم المشروعة في الإنجاب، ولألمهم الطبيعي عند فشل العلاج، ولكننا نذكرهم بحديث رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه: يستجاب للمرء ما لم يعجل.. وبالآية الكريمة: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} ، وأيضا بالآية الكريمة {إِنَّمَا أَمْرُهُ إذا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
إذ يتمكن الشيطان منا عندما نريد شيئا بكل قوانا، ونسمح له بالتوغل في قلوبنا، والتي يجب أن نحرص على أن تكون عامرة بحب من خلقنا، وأن نجعل الدنيا بكل ما فيها من مباهج ومتع ورغبات مشروعة في أيدينا، وليس في قلوبنا.
نقول هذا، ونعترف أن تأخر الإنجاب اختبارا صعبا، ولنتدبر قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا} . ولنتنبه إلى أن معظم الناس يتذكرون الجزء الأول من الآية الكريمة، ويتناسون إكمالها ليجيدوا ترتيب أولوياتهم في الحياة، وليتذكروا أن الدنيا لا تساوي عند الخالق جناح بعوضة.
ربما كان المنع عطاء لا ندركه، والمحبة هي الموافقة، فكثيرا ما نرى من يتألمون من عقوق الأبناء، ومن رضوا بقدرهم وعدم الإنجاب، وسعدوا مع شركائهم وتنفسوا السعادة، وتعلموا أن الرضا هو أن تشعر بالارتياح لما يختاره الله لك.
يقول ابن القيم -رحمه الله- الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، وقرة عيون المشتاقين.. ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ الله صدره غنى وأمنًا، وفرَّغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، ومن فاته حظه من الرضا، امتلأ قلبه بضدِ ذلك، واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه"."
إيذاء الطرف الآخر
ومن الأخطاء التي يقع فيها البعض، إهمال الاستمتاع بباقي مباهج الحياة المشروعة، والتركيز بكل قواهم على ما ينقصهم وتنمية الشعور بالحرمان بداخلهم، وقيام الأزواج بمضايقة زوجاتهم ومعايرتهن وتهديدهن بالطلاق، فضلًا عن إيذائهن بالكلام الجارح، ولجوء الزوجات إلى التنفيس عن غضبهن وأحزانهن بالتشاجر مع الأزواج، أو إرهاقهم بمطالب مادية مبالغ فيها أو إشعارهم بالنقص دائما.
ونهمس لهؤلاء مع كل الاحترام لمعاناتهم والدعاء لهم، أن الذكاء الإيماني يجب أن يحمينا من زيادة حجم معاناتنا الدنيوية، وألا نجعلها سببا لخسائر دينية. فلا شك أنه لا يوجد زوج أو زوجة يتحمل المسئولية عن تأخره في الإنجاب، ومن الرحمة -وهي من سمات المؤمن- أن نحترم ألمه ولا نقسو عليه، فنحن مطالبون دينيًّا أن نعامل الآخرين كما نحب أن يتعاملوا معنا، فما بالنا بالأزواج الذي ارتبطوا بالميثاق الغليظ المبني على المودة والرحمة.
وقد قال رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه:"خياركم خياركم لنسائهم"، وقال:"استوصوا بالنساء خيرا". كما أوصى الزوجة بحسن التبعل لزوجها، وقال:"أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة".
وغني عن القول إن الإساءة بالقول أو بالفعل؛ تخاصم كل ما أخبرنا به ديننا السمح، كما أنها تزيد البغضاء بين المتزوجين؛ مما يحرمهم من الاستمتاع بما رزقهم به الله من نعم، ولنتذكر أن الشيطان يذكرنا بالمفقود، لينسينا شكر الموجود.
وكان الأولى بهم التراحم بينهم؛ طمعا في الفوز برضا الرحمن، ولتحسين حياتهم قدر المستطاع، مع عدم إهمال التداوي بالعلاج وبالصدقة، والإلحاح في الدعاء بقلب مطمئن.
لا تكن إمعة
المودة تخفف ألم الحرمان