حسده بنو إسرائيل وكادوا به ليصرفوه عما هو عليه، ولولا أن ثبته الله لضل، يقول النبي: (( فتذاكر بنو إسرائيل جُرَيجًا وعبادته، وكانت امرأة بغى يُتَمَثَّل بحسنها فقالت: إن شئتم لأفتننّه لكم ) )، قال: (( فتعرضت له فلم يلتفت إليها ) )، وهذا من البلاء العظيم أيها الناس، امرأة ذات جمال تتعرض لشاب في خلوة ثم لا يبالي بها، ماذا صنعت هذه المرأة بنفسها؟ يقول: (( فأتت راعيًا كان يأوي إلى صَوْمَعته فأَمْكَنَته من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جُرَيج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه ) )، استجاب الله دعوة أمه، ونزلت عليه العقوبة وهو من أولياء الله الصالحين العابدين، هُدِمَت صومَعَتُه، وأُخرِج منها، وسبّوه، قالوا له: أنت مُراءٍ، أنت كذّاب مخادع، تدّعي التعبّد وأنت زانٍ كذّاب، كل ذلك وهو لا يدري ما الذي يقولون، هُدِم بيتُه، واتُّهِم في عِرْضه بدعوة واحدة.
ولكن الله تعالى رحيم بعباده، فقد جعل لهذا العبد الصالح مخرجًا من هذا البلاء، يقول النبي: (( فقال: ما شأنكم؟! قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبيَّ فطعن في بطنه، وقال: يا غلام، من أبوك؟ قال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جُرَيج يُقبّلونه ويتمسّحون به، وقالوا: نبني لك صَوْمَعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا ) ).
فاتقوا الله تعالى ـ أيها المؤمنون ـ في آبائكم وأمهاتكم، واتقوا دعواتهم عليكم ببرهم والإحسان إليهم.
وأنتم أيها الآباء والأمهات، ارفقوا بأولادكم، واصبروا عليهم، ولا تدعوا عليهم، فقد قال النبي: (( لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم ) ).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله...
الخطبة الثانية
روى مسلم في صحيحه عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أُوَيس بن عامر؟ حتى أتى على أُوَيس فقال: أنت أُوَيس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مُرَاد ثم من قَرَن؟ قال: نعم، قال: فكان بك بَرَصٌ فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، فقال عمر: سمعت رسول الله يقول: (( يأتي عليكم أُوَيس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مُرَاد، ثم من قَرَن، كان به بَرَصٌ فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بَرّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعتَ أن يستغفر لك فافعل ) )، فاستغفر لي. فاستغفر له.
أيها المسلم، لقد نال أُوَيس القَرَني هذه المنزلة العظيمة ببرّه لأمه، أُوحِي إلى النبي بخبره، وأخبر النبي بنعته ووصفه وخبره، وحثَّ الفاروقَ المبشَّرَ بالجنة أن يطلب منه أن يستغفر له إن هو أدركه. عمر أفضل من أُوَيس القَرَني بلا خلاف، ويطلب من أُوَيس القَرَني أن يستغفر له! فرضي الله عن عمر، ورضي الله عن أُوَيس. وما أعظم برّ الوالدين!
فلنتق الله في آبائنا وأمهاتنا؛ فإن الجنة عند أقدامهما، ولنطع الله فيهما كما أمرنا الله ورسوله .
كان في الأمم السابقة أولياء صالحون , وعباد زاهدون , وكان جريج العابد أحد هؤلاء الصالحين الذين برَّأهم الله عز وجل , وأظهر على أيديهم الكرامات , بعد أن تربص به المفسدون , وحاولوا إيقاعه في الفاحشة , ثم تشويه سمعته بالباطل , وهكذا أهل الفجور في كل زمان ومكان , لا يهنأ لهم بال , ولا يطيب لهم عيش إلا بأن يشاركهم الآخرون في غيهم وفسادهم , والقصة أخرجها البخاري و مسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة , عيسى ابن مريم , وصاحب جريج , وكان جريج رجلا عابدا , فاتخذ صومعة فكان فيها, فأتته أمُّه وهو يصلي , فقالت: يا جريج , فقال: يا رب أمي وصلاتي , فأقبل على صلاته , فانصرفت , فلما كان من الغد أتته وهو يصلي , فقالت: يا جريج , فقال: يا رب أمي وصلاتي , فأقبل على صلاته , فانصرفت , فلما كان من الغد أتته وهو يصلي , فقالت: يا جريج , فقال: أي رب أمي وصلاتي , فأقبل على صلاته , فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات .
فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته , وكانت امرأة بغي يُتَمثَّلُ بحسنها , فقالت: إن شئتم لأفْتِنَنَّه لكم , قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها, فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته , فأمكنته من نفسها , فوقع عليها , فحملت , فلما ولدت قالت: هو من جريج , فأتوه فاستنزلوه , وهدموا صومعته , وجعلوا يضربونه , فقال: ما شأنكم , قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك , فقال: أين الصبي , فجاءوا به , فقال: دعوني حتى أصلي , فصلى , فلما انصرف أتى الصبي فطَعَنَ في بطنه , وقال: يا غلام , من أبوك ؟ قال: فلان الراعي , قال: فأقبلوا على جريج يقَبِّلونه ويتمسحون به, وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب , قال: لا , أعيدوها من طين كما كانت , ففعلوا ).