فهرس الكتاب

الصفحة 1135 من 1236

إن هذا المنحى يخالف فطرة الانسان التي تحثه على التواصل مع الآخرين، والانسجام مع الكون بكل موجوداته. ومن هنا يتضح لنا أن مشكلة الانسان تتلخص في أنه يعيش وراء الحجب التي تتمثل بمجموعة من الأفكار الجاهلية التي متى ما استطاع الانسان أن يتحرر منها، ويعيش الطبيعة كما خلقها الله عز وجل، فانه سيحقق الانجازين التاليتين:

1-العيش في أجواء الايجابية والتفاهم؛ فمن خلال هذه الأجواء سينظر الى جميع مآسي ومنغصّات الحياة بنظرة متفائلة دائمًا.

2-الوصول الى مستوى النشاط والحيوية تبعا لما تمليه عليه طبيعته المتفائلة التي تأبى الكسل والخمول.

إن الذين يركنون الى الكسل، والركود، إنما تدفعهم الى ذلك حجب داكنة، تمنعهم من رؤية جمال الحركة، وتفصلهم عن ضميرهم. فنحن نرى أن مجتمعاتنا مقيّدة بأغلال من مثل الخجل، والخوف، والتردد.. هذه الحجب التي كرّستها التربية الخاطئة، مما حالت دون إنطلاقة شعوبنا لتحقيق طموحاتها الحضارية. وكل ذلك يعود - بالدرجة الأساس - الى إبتعاد الانسان عن الحقائق، وعن الفطرة النقية.

كيف يعود الانسان الى فطرته

وثمة سؤال مهم في هذا المجال هو: كيف يتسنى للانسان أن يعود الى فطرته في صفائها ونقائها، لكي تدفعه هذه الفطرة الى التحرك والنشاط والعمل؟

إن تحقيق هذا المكسب ممكن من خلال أحد أمرين:

1-أن يدعو الانسان داعية الى ذلك، كما كان الحال بالنسبة الى الجزيرة العربية التي كانت ترزح تحت وطأة الحجب الجاهلية، فجاءها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وأطلق فيها صرخته المدوية:"يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". (1) فأخرجها من ظلمات الجاهلية الى نور الاسلام.

2-أن يعاني الانسان الصعوبات، ويعيش المشاكل لكي تتضح له الحقائق عن كثب، ويبدد بذلك كل الأوهام والظنون.

فقد يتصور الانسان أنه من المقربين الى الله تعالى، وأن دعاءه مستجاب، ولكن عندما تحيط به الأزمات، وتنزل عليه الكوارث، فانه سيستغيث حينئذ بخالقه. ولكنه سيكتشف أن دعاءه لا يستجاب، ذلك لأن مقاومة الأزمات، ومواجهة المحن بحاجة الى عمل دؤوب، وتضحيات مكثفة، وإرادة صلبة.

صحيح إن الدعاء يعتبر - في حدّ ذاته - ممارسة مفيدة ونافعة، ولكنه لابد أن يقترن بالعمل.

ومن هنا ينبغي علينا أن لا نعيش الأوهام، وأن لا ننساق في تيار الأفكار الجاهلية، والقناعات الباطلة، بل يجب علينا أن نتوجه نحو الحقائق. فعندما تحيط بنا الملمات والمصائب، فان من الواجب علينا أن لا نستسلم لها، بل علينا أن نحوّلها الى وسيلة ليقظتنا. وبذلك تتهاوى الحجب، وحينئذ سيكون بمقدور الانسان أن ينظر الى الحقائق نظرة جديدة جدية، ويستلهم منها سبل تغيير نفسه، وسوق مجتمعه باتجاه الكمال.

والقرآن الكريم يوجهنا الى هذه الحقائق في قوله: ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ اَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ((الانعام/40-41) .

ففي ظل المآسي والصعاب تتساقط الافكار الجاهلية الواحدة تلو الأخرى، وتتبدّد القناعات البالية؛ وحينئذ يتجه الانسان صوب المنقذ الحقيقي، من خلال العودة الى الله تقدست أسماؤه.

فلسفة المآسي

وبعد ذلك يبين لنا السياق القرآني فلسفة المآسي والويلات التي تترى على البشرية، وذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى اُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَاَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ((الانعام/42-43) .

وهكذا فان الغرض من إرسال الرسل، ونزول البأساء والضراء من كوارث طبيعية ومن حروب، انما هو ايقاظ الانسان بعودته الى فطرته. وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلاّ في حالة التضرع الى الله تعالى، ونبذ جميع الافكار الشركية التي إن أصرّ عليها الانسان معاندًا مسيرة الحق فسوف يبقى يعيش في دوامة المآسي الى نهاية عمره.

ومما يؤسف له إننا وعلى الرغم من المآسي والويلات التي حلت بنا، ترانا ما نزال نولي وجوهنا شطر الاختلاف والتفرقة. ولا يختلف إثنان في أن هذا التوجه لا يخرج عن الدائرة الجاهلية، إلاّ أن الإصرار على ذلك هو الذي يجعلنا نرزح دائمًا تحت العذاب. وهذه نتيجة طبيعية، لأننا خالفنا بها الحقائق. أوَ لَم يقل ربنا سبحانه وتعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا((آل عمران/103) أوَ لَم يوجّهنا الى المبادرة لأداء أعمال الخير في قوله: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ((الزلزلة/7) .

وهكذا فاننا متى ما عدنا الى تلك القيم الالهية التي تعتبر التجلي الواضح للحقائق، فاننا سوف نعيش حينئذ السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت