فهرس الكتاب

الصفحة 1136 من 1236

من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الكون رحمة من لدنه، وانتشرت آثار رحمته في كل شيء، وخلق البشر ليرحمهم لا ليعذبهم، فلماذا نجد في بعض الأحيان ينزل عذابه على البشر اما في صورة قحط وفقر، أو في صورة مرض وحوادث طبيعية كالسيول و الفيضانات وما الى ذلك، وأما في صورة الحروب الداخلية فلماذا كل ذلك - يا ترى - أوليس الله أرحم الراحمين، أولم تتجلى رحمة الله في كل شيء ؟

إننا بفطرتنا و بمقدار عقولنا المحدودة عرفنا من ربنا الرحمة، فمنذ أن كان الانسان نطفة في قرار مكين، إلى أن أصبح في رحم أمه، إلى أن خرج الى هذه الدنيا وأودع في قلب أمه وأبيه الرحمة والعطف عليه، الى أن نما وترعرع فان حياته محاطة بآثار رحمة الله.. فما هي فلسفة العذاب في الدنيا، وما هي فلسفة الآلام والأمراض والكوارث الطبيعية ؟

إن فلسفة كل ذلك هي إمتحان الانسان وابتلاؤه، لأن فلسفة خلق الانسان فوق هذا الكون تختصر في الفتنة والامتحان والابتلاء. ومن عرف هذه الفلسفة يستطيع أن يجعل حياته في الدنيا حياة سعيدة، ووجهته الى الله سبحانه وتعالى وجهة سليمة، ومن لم يعرفها كفر وظلم نفسه وخسر حياته في الدنيا والآخرة، وهذا هو الخسران المبين.

إننا نواجه الآن طائفة من المشاكل؛ من غلاء في بلد، الى فقر مدقع و مجاعة في بلد آخر، الى حرب داخلية مدمرة في بلد ثالث، الى غزو غاشم لبلد آخر... و هذه جملة مشاكل، ولا يخفى على أحد منا حجم هذه المشاكل وانتشارها. فكل واحد منا إذا فتح المذياع، واستمع الى أي إرسال من أي اذاعة، فان أول خبر يسمعه إما قتل، وإما مجاعة، وما الى ذلك. وكذلك عندما يقرأ الصحف، لا ينتهي من خبر مزعج إلاّ ويأتيه خبر مزعج آخر. فما هي الطريقة المثلى لتعاملنا مع هذه الاخبار ؟

إنها التسلح بالبصائر القرآنية، و فهم حكمة الوجود، و بذلك نستطيع أن نعرف كيف نتعامل مع هذه الأمور. فالابتلاء هو حكمة الحياة؛ فالغني مبتلى بماله، و الفقير مبتلى بفقره.. فالغني إذا أوتي من نعم الله وفضله شيئًا فعليه أن يعطي للآخرين ويسعدهم. وأما الفقير فاذا منع من فضل الله بقدر ما، فلابد ان يصبر، ولابد أن لا يفقد ايمانه، ولا يفقد دينه، ولا يفقد استقلاله. فكل من الغني و الفقير مبتليان كما يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ((الفرقان/20) .

فالله عز وجل خلق الانسان بحيث يبتلي البعض بالبعض الآخر؛ فالقوي قوته فتنة، والضعيف ضعفه فتنة.. وإذا أصبح الانسان قويًا فان عليه أن يستخدم هذه القوة في سبيل الله. فقد يمتلك شخص ما قوة و شجاعة ثم يقول لنفسه: سأنزل الى الشارع وأثبت قوتي على الضعفاء. في حين أن هذا السلوك ليس صحيحًا، لأن الذي أعطاك هذه القوة إنما منحها إياك ليختبرك، وإلاّ فانك لا تستطيع أن تطالبه بحق، فهو باستطاعته أن يسلبها منك.

وعلى سبيل المثال فان موسى بن عمران عليه السلام كان في وضع مزر، وكان غريبًا مهاجرًا مطاردًا عندما كان في مدين، وكان جائعًا، وحسب ما جاء في رواية عن الإمام علي عليه السلام أنه قال:"وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله صلوات الله عليه، إذ يقول: (إنِّي لمَّا أنْزلت إليَّ مِنْ خَيْر فَقيْر( والله ما سأله إلاّ خبزًا يأكله، لأنه كان يأكل بقلة الأرض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه".(1)

ولكن عندما لاحظ أن الناس جاؤوا، وكل واحد منهم سقى غنمه، ثم بقيت إمرأتان تذودان، قال لهما: ما خطبكما؟ فقالتا له: نحن نملك قطيعًا لكن أبانا شيخًا كبيرًا ونحن نساء لا نستطيع مزاحمة الرجال على السقاية. فما كان منه إلاّ أن سقى لهما، ولم يطلب أجرًا؛ أي إنه إستغل قوته وعضلاته في سبيل مساعدة المستضعفين.

إن البعض يقول: أنا لا أملك إمكانيات. ونحن نقول له: لا بأس، ولكن ألاّ تملك عضلات؟ فإذا كنت لا تملك قوة مالية، فانك تملك قوة جسدية والحمد لله. ومع ذلك فان البعض يقول أنه لا يمتلك لا المال و لا القوة الجسدية، وأنا أقول له: نعم؛ ولكن عندك ماء وجه.

وهكذا فان الانسان الذي لا يملك قوة بدنية ولا مالية، فانه يمتلك بالتأكيد ماء الوجه، فليبذله في سبيل الله سبحانه، لان ماء الوجه هو إمتحان للانسان وقد جاء في حديث شريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، أنه قال:"والشفاعة زكاة الجاه". (1)

وقد يوجد شخص آخر لا يمتلك مالًا ولا قوة جسدية أيضًا، ولكنه يتمتع بلسان طيب، فباستطاعته أن يشجع الآخرين بالكلمة الطيبة التي هي صدقة، فتعال واخدم الاسلام بلسانك. وفي هذا المجال يروى أن الانكسار عندما بان في جبهة المسلمين في بداية حرب حنين، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله واقفًا كالجبل الأشم، والإمام علي عليه السلام بين يديه يضرب بالسيف، في حين لاذ قسم من المسلمين بالفرار وثبتت ثلة منهم. فجاء النبي صلى الله عليه وآله الى عمه العباس وقال: يا عمّ أعنا بصوتك - وكان صوته جهوريًا - فالتفت العباس الى الفارين، واستنهضهم وأرجعهم بصوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت