فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 1236

إن هذا الدين منهج حياة كاملة ، لا مجرد عقيدة مستسرة . منهج واقعي تنمو الحياة في ظله وتترقى . ومن ثم هو دعوة إلى الحياة في كل صورها وأشكالها . وفي كل مجالاتها ودلالاتها . والتعبير القرآني يجمل هذا كله في كلمات قليلة موحية: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } .

استجيبوا له طائعين مختارين؛ وإن كان الله - سبحانه - قادرًا على قهركم على الهدى لو أراد: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } . .

ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة . . { يحول بين المرء وقلبه } فيفصل بينه وبين قلبه؛ ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه ، ويصرفه كيف شاء ، ويقلبه كما يريد . وصاحبه لا يملك منه شيئًا وهو قلبه الذي بين جنبيه!

إنها صورة رهيبة حقا؛ يتمثلها القلب في النص القرآن ، ولكن التعبير البشري يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب ، ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس!

إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة ، والحذر الدائم ، والاحتياط الدائم . اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته؛ والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقا والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس . . والتعلق الدائم بالله - سبحانه - مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته ، أو غفلة من غفلاته ، أو دفعة من دفعاته . .

ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول الله المعصوم يكثر من دعاء ربه: « اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » . فكيف بالناس ، وهم غير مرسلين ولا معصومين؟!

إنها صورة تهز القلب حقًا ، ويجد لها المؤمن رجفة في كيانه حين يخلو إليها لحظات ، ناظرا إلى قلبه الذي بين جنبيه ، وهو في قبضة القاهر الجبار ، وهو لا يملك منه شيئا ، وإن كان يحمله بين جنبيه ويسير!

صورة يعرضها على الذين آمنوا وهو يناديهم: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } . .

ليقول لهم: إن الله قادر على أن يقهركم على الهدى - لو كان يريد - وعلى الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة ، ولكنه - سبحانه - يكرمكم؛ فيدعوكم لتستجيبواعن طواعية تنالون عليها الأجر؛ وعن إرادة تعلو بها إنسانيتكم وترتفع إلى مستوى الأمانة التي ناطها الله بهذا الخلق المسمى بالإنسان . . أمانة الهداية المختارة؛ وأمانة الخلافة الواعية ، وأمانة الإرادة المتصرفة عن قصد ومعرفة .

{ وأنه إليه تحشرون } . .

فقلوبكم بين يديه . وأنتم بعد ذلك محشورون إليه . فما لكم منه مفر . لا في دنيا ولا في آخرة . وهو مع هذا يدعوكم لتستجيبوا استجابة الحر المأجور ، لا استجابة العبد المقهور .

ثم يحذرهم القعود عن الجهاد ، وعن تلبية دعوة الحياة ، والتراخي في تغيير المنكر في أية صورة كان: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، واعلموا أن الله شديد العقاب } . .

والفتنة: الابتلاء أو البلاء . . والجماعة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره - وأظلم الظلم نبذ شريعة الله ومنهجه للحياة - ولا تقف في وجه الظالمين؛ ولا تأخذ الطريق على المفسدين .

.جماعة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين . . فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أن يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع ( فضلا على أن يروا دين الله لا يتبع؛ بل أن يروا ألوهية الله تنكر وتقوم ألوهية العبيد مقامها! ) وهم ساكتون . ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم الله من الفتنة لأنهم هم في ذاتهم صالحون طيبون!

{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (28) سورة الأنفال

قال الرازي (1) :

إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد . نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب . فقال: { إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } لأنها تشغل القلب بالدنيا ، وتصير حجابًا عن خدمة المولى .

ثم قال: { وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } تنبيهًا على أن سعادات الآخرة خير من سعادات الدنيا لأنها أعظم في الشرف ، وأعظم في الفوز ، وأعظم في المدة ، لأنها تبقى بقاء لا نهاية له ، فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذي عنده بالعظم . ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند الله ، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد ويوجب الحاجة إلى المال ، وذلك فتنة ، ومعلوم أن ما أفضى إلى الأجر العظيم عند الله ، فالاشتغال به خير مما أفضى إلى الفتنة .

(1) - تفسير الرازي - (ج 7 / ص 393)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت