فهرس الكتاب

الصفحة 743 من 1236

ومع ذلك اعتذر له فذكره بما كان عليه من قبل فقال له: قد كنت أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله المال وأعطاك اللون الحسن والجلد الحسن ولكنه قال والعياذ بالله إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر وأنكر نعمة الله فقال له الملك إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت أي: إن كنت كاذبا فيما تقول فصيرك الله إلى ما كنت من الفقر والبرص والذي يظهر أن الله استجاب دعاء الملك وإن كان دعاء مشروطا كان كاذبا بلا شك فإذا تحقق الشرط تحقق المشروط وأتى الأقرع فقال له مثلما قال الأبرص ورد عليه مثلما رد عليه الأبرص، فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأعمى وذكره بنعمة الله عليه فقال له: قد كنت أعمى فرد الله علي بصري وكنت فقيرا فأعطاني الله المالفأقر بنعمة الله عليه فخذ ما شئت ودع ما شئت من الغنم فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله أي: لا أمنعك ولا أشق عليك بالمنع بشيء أخذته لله عز وجل انظر إلى الشكر والاعتراف بالنعمة فقال له الملك: أمسك عليك مالك إنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وأسخط على صاحبيك وهذا يدل على أن القصة كانت مشهورة بين الناس ولهذا قال: سخط على صاحبيك فأمسك ماله وبقى قد أنعم الله عليه بالبصر وأما الآخران فإن الظاهر أن الله ردهما إلى ما كانا عليه من الفقر والعاهة والعياذ بالله وفي هذا دليل: على أن شكر نعمة الله على العبد من أسباب بقاء النعمة وزيادتها كما قال تعالى { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } وفي قصتهم آيات من آيات الله عز وجل: منها: إثبات الملائكة والملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور وجعل لهم قوة في تنفيذ أمر الله وجعل لهم إرادة في طاعة الله فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومنها: أن الملائكة قد يكونون على صورة بني آدم، فإن الملك أتى لهؤلاء الثلاثة في المرة الثانية بصورة وهيئة ومنها: أيضا يتكيفون بصورة الشخص المعين كما جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى في المرة الثانية بصورة وهيئة ومنها: أيضا أنه يجوز الاختبار للإنسان في أن يأتي الشخص على هيئة معينة ليختبره فإن هذا الملك جاء على صورة الإنسان المحتاج المصاب بالعاهة ليرق له هؤلاء الثلاثة مع أن الملك فيما يبدو والعلم عند الله لا يصاب في الأصل بالعاهات ولكن الله سبحانه وتعالى جعلهم يأتون على هذه الصورة من أجل الاختبار ومنها: أن الملك مسح الأقرع والأبرص والأعمى مسحة واحدة فأزال الله عيبهم بهذه المسحة ؛ لأن الله إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون ولو شاء الله لأذهب عنهم العاهة، ولكن الله جعل هذا سببا للابتلاء والامتحان ومنها: أن الله قد يبارك للإنسان بالمال حتى ينتج منه الشيء الكثير، فإن هؤلاء النفر الثلاثة صار لواحد واد من الإبل وللثاني واد من البقر وللثالث واد من الغنم وهذا من بركة الله عز وجل وقد دعا الملك لكل واحد منهم بالبركة ومنها: تفاوت بني آدم في شكر نعمة الله نفع عباد الله فإن الأبرص والأقرع وقد أعطاهم الله المال الأهم والأكبر، ولكن جحدا نعمة الله قالا: إنما ورثنا هذا المال كابرا عن كابر، وهم كذبة في ذلك فإنهم كانوا فقراء وأعطاهم الله المال أما الأعمى فقد شكر نعمة الله واعترف بالفضل ولذلك وفق وهداه الله وقال للملك خذ ما شئت ودع ما شئت ومنها أيضا: إثبات الرضا والسخط لله سبحانه وتعالى وهما من الصفات التي يجب أن نثبتها لربنا سبحانه وتعالى ؛ لأنه وصف نفسه بها ففي القرآن الكريم: الرضا { رضي الله عنهم ورضوا عنه } وفي القرآن { أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون } وفي القرآن الكريم: الغضب { وغضب الله عليه ولعنه } وهذه الصفات وأمثالها يؤمن بها أهل السنة والجماعة بأنها ثابتة لله على وجه الحقيقة لكنها لا تشبه صفات المخلوقين كما أن الله لا يشبه المخلوقين فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين ومن فوائد هذا الحديث: أن في بني إسرائيل من العجب والآيات ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينقل لنا من أخبارهم حتى نتعظ، ومثل هذا الحديث قصة النفر الثلاثة الذين لجأوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار وعجزوا عن زحزحتها وتوسل كل واحد منهم إلى الله بصالح عمله فالنبي عليه الصلاة والسلام يقص علينا من أنباء بني إسرائيل ما يكون فيه الموعظة والعبرة، فعلينا أن نأخذ من هذا الحديث عبرة بأن الإنسان إذا شكر نعمة الله واعترف لله بالفضل، وأدى ما يجب عليه في ماله فإن ذلك من أسباب البقاء والبركة في ماله، والله الموفق

اقتضت حكمة الله جل وعلا أن تكون حياة الإنسان في هذه الدار مزيجًا من السعادة والشقاء ، والفرح والترح ، والغنى والفقر والصحة والسقم ، وهذه هي طبيعة الحياة الدنيا سريعة التقلب ، كثيرة التحول كما قال الأول:

طبعت على كدر وأنت تريدها صفوًا من الأقذاء والأكدار

ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار

(1) - الشبكة الإسلامية >> الحديث الشريف >> القصص النبوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت