لم يحمل الإسلام السيف إذن ليكره الناس على اعتناقه عقيدة؛ ولم ينتشر السيف على هذا المعنى كما يريد بعض أعدائه أن يتهموه! إنما جاهد ليقيم نظامًا آمنًا يأمن في ظله أصحاب العقائد جميعًا ، ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته .
وكانت قوة الإسلام ضرورية لوجوده وانتشاره واطمئنان أهله على عقيدتهم ، واطمئنان من يريدون اعتناقه على أنفسهم . وإقامة هذا النظام الصالح وحمايته . ولم يكن الجهاد أداة قليلة الأهمية ، ولا معدومة الضرورة في حاضره ومستقبله كما يريد أخبث أعدائه أن يوحوا للمسلمين! . .
لا بد للإسلام من نظام ولا بد للإسلام من قوة ، ولا بد للإسلام من جهاد . فهذه طبيعته التي لا يقوم بدونها إسلام يعيش ويقود .
{ لا إكراه في الدين } . . نعم ولكن: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم . وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } وهذا هو قوام الأمر في نظر الإسلام . . وهكذا ينبغي أن يعرف المسلمون حقيقة دينهم ، وحقيقة تاريخهم؛ فلا يقفوا بدينهم موقف المتهم الذي يحاول الدفاع؛ إنما يقفون به دائما موقف المطمئن الواثق المستعلي على تصورات الأرض جميعًا ، وعلى نظم الأرض جميعًا ، وعلى مذاهب الأرض جميعًا . . ولا ينخدعوا بمن يتظاهر بالدفاع عن دينهم بتجريده في حسهم من حقه في الجهاد لتأمين أهله؛ والجهاد لكسر شوكة الباطل المعتدي؛ والجهاد لتمتيع البشرية كلها بالخير الذي جاء به؛ والذي لا يجني أحد على البشرية جناية من يحرمها منه ، ويحول بينها وبينه . فهذا هو أعدى أعداء البشرية ، الذي ينبغي أن تطارده البشرية لو رشدت وعقلت . وإلى أن ترشد البشرية وتعقل ، يجب أن يطارده المؤمنون ، الذين اختارهم الله وحباهم بنعمة الإيمان ، فذلك واجبهم لأنفسهم وللبشرية كلها ، وهم مطالبون بهذا الواجب أمام الله . .
{وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} (73) سورة الأنفال
قال القرطبي (1) :
الثالثة قوله تعالى: { والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين؛ فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، والكفار بعضهم أولياء بعض ، يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم . قال علماؤنا في الكافرة يكون لها الأخ المسلم: لا يزوّجها ، إذ لا ولاية بينهما ، ويزوّجها أهل ملّتها . فكما لا يزوّج المسلمةَ إلا مسلم فكذلك الكافرة لا يزوّجها إلا كافر قريب لها ، أو أسْقُف ، ولو من مسلم؛ إلا أن تكون معتقة؛ فإن عُقد على غير المعتقة فُسخ إن كان لمسلم ، ولا يعرض للنّصرانيّ .
وقال أَصْبَغ: لا يفسخ ، عقدُ المسلم أولى وأفضل .
الرابعة قوله تعالى: { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } الضمير عائد على الموارثة والتزامها . المعنى: إلا تتركوهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون؛ قاله ابن زيد . وقيل: هي عائدة على التناصر والمؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي . ابن جُريج وغيره: وهذا إن لم يفعل تقع الفتنة عنه عن قريب؛ فهو آكد من الأوّل . وذكر الترمذِيّ عن عبد الله بن مسلم بن هُرْمز عن محمد وسعد ابني عبيد عن أبي حاتم المزني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» . قالوا: يا رسول الله ، وإن كان فيه؟ قال: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه» "ثلاث مرات . قال: حديث غريب . وقيل: يعود على حفظ العهد والميثاق الذي تضمنه قوله: { إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } . وهذا وإن لم يفعل فهو الفتنة نفسها . وقيل: يعود على النصر للمسلمين في الدين . وهو معنى القول الثاني . قال ابن إسحاق؛ جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدِّين دون من سواهم ، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض . ثم قال: { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } وهو أن يتوَلّى المؤمنُ الكافرَ دون المؤمنين . { تَكُنْ فِتْنَةٌ } أي محنة بالحرب ، وما انجر معها من الغارات والجلاء والأسر . والفسادُ الكبير: ظهور الشرك . قال الكسائِيّ: ويجوز النصب في قوله: { تَكُنْ فِتْنَةٌ } على معنى تكن فعلتكم فتنة وفسادًا كبيرًا . { حَقًّا } مصدر ، أي حَقّقوا إيمانهم بالهجرة والنُّصرة . وحقق الله إيمانهم بالبشارة في قوله: { لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } أي ثواب عظيم في الجنة .
وقال الرازي (2) :
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 2360)
(2) - تفسير الرازي - (ج 7 / ص 449)