فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 1236

ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحكام قال: { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الارض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } والمعنى: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل المذكورة المتقدمة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة ، وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه: الأول: أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم ، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم ، فربما صارت تلك المخالطة سببًا لالتحاق المسلم بالكفار . الثاني: أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم ، فيصير ذلك سببًا لجراءة الكفار عليهم . الثالث: أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدة والعدة ، صار ذلك سببًا لمزيد رغبتهم فيما هم فيه ورغبة المخالف في الالتحاق بهم .

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا القسم الثالث ، عاد إلى ذكر القسم الأول والثاني مرة أخرى فقال: { والذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حَقًّا لَهمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } .

واعلم أن هذا ليس بتكرار وذلك لأنه تعالى ذكرهم أولًا ليبين حكمهم وهو ولاية بعضهم بعضًا ، ثم إنه تعالى ذكرهم ههنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم ، وبيانه من وجهين: الأول: أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك يدل على الشرف التعظيم . والثاني: وهو أنه تعالى أثنى عليهم ههنا من ثلاثة أوجه: أولها: قوله: { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقًّا } فقوله: { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون } يفيد الحصر وقوله: { حَقًّا } يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن من لم يكن محقًا في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة ، ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل النفس والمال ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين . وثانيها: قوله: { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } وتنكير لفظ المغفرة يدل على الكمال كما أن التنكير في قوله: { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة } [ البقرة: 96 ] يدل على كمال تلك الحياة ، والمعنى: لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات . وثالثها: قوله: { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } والمراد منه الثواب الرفيع الشريف . والحاصل: أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله: { أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقًّا } وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب ، وإما جلب الثواب ، أما دفع العقاب فهو المراد بقوله: { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله: { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وهذه السعادات العالية إنما حصلت لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية ، فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال ، وذلك تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات .

وفي التفسير الوسيط (1) :

والذين كفروا بعضهم أولياء بعض في النصرة والتعاون على قتالاكم وإيذائكم - أيها المؤمنون - فهم وإن اختلفوا فيما بينهم إلا أنهم يتفقون على عداوتكم وإنزال الأضرار بكم .

وقوله: { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } تحذير شديد للمؤمنين عن مخالفة أمره - سبحانه - .

أى: إلا تفعلوا - أيها المؤمنون - ما أمرتكم به من التناصر والتواصل وتولى بعضكم بعضا ، ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار ، تحصل فتنة كبيرة في الأرض ، ومفسدة شديدة فيها ، لأنكم إذا لم تصيروا يدًا واحدة على الشرك ، يضعف شأنكم ، وتذهب ريحكم ، وتسفك دماؤكم ويتطاول أعداؤكم عليكم ، وتصيرون عاجزين عن الدفاع عن دينكم وعرضكم . . . وبذلك تعم الفتنة ، وينتشر الفساد .

وقوله - تعالى - { والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا أولئك هُمُ المؤمنون حَقًّا } كلام مسوق للثناء على القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة للمؤمنين وهم المهاجرون والأنصار .

إذ أن الآية الأولى من هذه الآيات الكريمة قد ساقها الله - تعالى - لإيجاب التواصل بينهم ، أما هذه الآية فقد ساقها سبحانه - للثناء عليهم والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حق الايمان وأكمله ، بخلاف من أقام من المؤمنين بدار الشرك ، مع الحاجة إلى هجرته وجهاده .

قال الفخر الرازى: أثنى الله - تعالى - على المهاجرين والأنصار من ثلاثة أوجه:

أولها - قوله: { أولئك هُمُ المؤمنون حَقًّا } فإن هذه الجملة تفيد المبالغة في مدحهم ، حيث وصفهم بكونهم حقين في طريق الدين .

وقد كانوا كذلك ، لأن من لم يكن محقا في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة ، ولم يفارق الأهل والوطن ، ولم يبذل النفس والمال .

وثانيها - قوله: { لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ } والتنكير يدل على الكمال ، أى: مغفرة تامة كاملة .

وثالثها - قوله: { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } والمراد منه الثواب الرفيع .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1879)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت