عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ أَذْهَبْتُ حَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ » (1) .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِنَّ اللَّهَ قَالَ إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِى بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ » (2)
(1) - سنن الترمذى برقم (2581) وهو صحيح
وفي تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 191)
( فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ ) قَالَ الْحَافِظُ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصْبِرُ مُسْتَحْضِرًا مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الصَّابِرَ مِنْ الثَّوَابِ ، لَا أَنْ يَصْبِرَ مُجَرَّدًا عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَابْتِلَاءُ اللَّهِ عَبْدَهُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ مِنْ سَخَطِهِ عَلَيْهِ ، بَلْ إِمَّا لِدَفْعِ مَكْرُوهٍ أَوْ لِكَفَّارَةِ ذُنُوبٍ أَوْ لِرَفْعِ مَنْزِلَةٍ ، فَإِذَا تَلَقَّى ذَلِكَ بِالرِّضَا تَمَّ لَهُ الْمُرَادُ ، وَإِلَّا يَصِيرُ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ: إِنَّ مَرَضَ الْمُؤْمِنِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهُ كَفَّارَةً وَمُسْتَعْتَبًا ، وَإِنَّ مَرَضَ الْفَاجِرِ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلِمَ أُرْسِلَ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مَوْقُوفًا اِنْتَهَى
( لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ ) قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا أَعْظَمُ الْعِوَضِ لِأَنَّ الِالْتِذَاذَ بِالْبَصَرِ يَفْنَى بِفَنَاءِ الدُّنْيَا ، وَالِالْتِذَاذَ بِالْجَنَّةِ بَاقٍ بِبَقَائِهَا وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ قَيْدٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِلَفْظِ:"إِذَا أَخَذْت كَرِيمَتَيْك فَصَبَرْت عِنْدَ الصَّدْمَةِ وَاحْتَسَبْت"فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّبْرَ النَّافِعَ هُوَ مَا يَكُونُ فِي وُقُوعِ الْبَلَاءِ فَيُفَوِّضُ وَيُسَلِّمُ وَإِلَّا فَمَتَى تَضَجَّرَ وَتَقَلَّقَ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ ثُمَّ يَئِسَ فَيَصْبِرُ لَا يَكُونُ حَصَّلَ الْمَقْصُودَ . وَقَدْ مَضَى حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْجَنَائِزِ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ فِيمَا صَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ فِيهِ بِشَرْطٍ آخَرَ وَلَفْظُهُ:"إِذَا سَلَبْت مِنْ عَبْدِي كَرِيمَتَيْهِ وَهُوَ بِهِمَا ضَنِينٌ لَمْ أَرْضَ لَهُ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ إِذَا هُوَ حَمِدَنِي عَلَيْهِمَا". وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ ، وَإِذَا كَانَ ثَوَابُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ الْجَنَّةَ ، فَاَلَّذِي لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ أُخْرَى يُزَادُ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ اِنْتَهَى .
(2) - صحيح البخارى برقم (5653 )
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 16 / ص 146)
له: ( إِذَا اِبْتَلَيْت عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ ) بِالتَّثْنِيَةِ ، وَقَدْ فَسَرَّهُمَا آخِر الْحَدِيث بِقَوْلِهِ"يُرِيد عَيْنَيْهِ"وَلَمْ يُصَرِّح بِاَلَّذِي فَسَّرَهُمَا ، وَالْمُرَاد بِالْحَبِيبَتَيْنِ الْمَحْبُوبَتَانِ لِأَنَّهُمَا أَحَبّ أَعْضَاء الْإِنْسَان إِلَيْهِ ، لِمَا يَحْصُل لَهُ بِفَقْدِهِمَا مِنْ الْأَسَف عَلَى فَوَات رُؤْيَة مَا يُرِيد رُؤْيَته مِنْ خَيْر فَيُسَرّ بِهِ ، أَوْ شَرّ فَيَجْتَنِبهُ .
قَوْله: ( فَصَبَرَ ) زَادَ التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته عَنْ أَنَس"وَاحْتَسَبَ"وَكَذَا لِابْنِ حِبَّان وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ، وَلِابْنِ حِبَّان مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس أَيْضًا ، وَالْمُرَاد أَنَّهُ يَصْبِر مُسْتَحْضِرًا مَا وَعَدَ اللَّه بِهِ الصَّابِر مِنْ الثَّوَاب ، لَا أَنْ يَصْبِر مُجَرَّدًا عَنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ، وَابْتِلَاء اللَّه عَبْده فِي الدُّنْيَا لَيْسَ مِنْ سُخْطه عَلَيْهِ بَلْ إِمَّا لِدَفْعِ مَكْرُوه أَوْ لِكَفَّارَةِ ذُنُوب أَوْ لِرَفْعِ مَنْزِلَة ، فَإِذَا تَلْقَى ذَلِكَ بِالرِّضَا تَمَّ لَهُ الْمُرَاد وَإِلَّا يَصِير كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث سَلْمَان"أَنَّ مَرَض الْمُؤْمِن يَجْعَلهُ اللَّه لَهُ كَفَّارَة وَمُسْتَعْتَبًا ، وَأَنَّ مَرَض الْفَاجِر كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْله ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَلَا يَدْرِي لِمَ عُقِلَ وَلِمَ أُرْسِلَ"أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي"الْأَدَب الْمُفْرَد"مَوْقُوفًا .
قَوْله: ( عَوَّضْته مِنْهُمَا الْجَنَّة ) وَهَذَا أَعْظَم الْعِوَض ، لِأَنَّ الِالْتِذَاذ بِالْبَصَرِ يَفْنَى بِفِنَاءِ الدُّنْيَا وَالِالْتِذَاذ بِالْجَنَّةِ بَاقٍ بِبَقَائِهَا ، وَهُوَ شَامِل لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْمَذْكُور . وَوَقَعَ فِي حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ قَيْد آخَر أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي"الْأَدَب الْمُفْرَد"بِلَفْظِ"إِذَا أَخَذْت كَرِيمَتَيْك فَصَبَرْت عِنْد الصَّدْمَة وَاحْتَسَبْت"فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّبْر النَّافِع هُوَ مَا يَكُون فِي أَوَّل وُقُوع الْبَلَاء فَيُفَوِّض وَيُسَلِّم ، وَإِلَّا فَمَتَى تَضَجَّرَ وَتَقَلَّقَ فِي أَوَّل وَهْلَة ثُمَّ يَئِسَ فَيَصْبِر لَا يَكُون حَصَلَ الْمَقْصُود ، وَقَدْ مَضَى حَدِيث أَنَس فِي الْجَنَائِز"إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصَّدْمَة الْأَوْلَى"وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيث الْعِرْبَاض فِيمَا صَحِّحْهُ اِبْن حِبَّان فِيهِ بِشَرْطٍ آخَر وَلَفْظه"إِذَا سَلَبْت مِنْ عَبْدِي كَرِيمَتَيْهِ وَهُوَ بِهِمَا ضَنِين لَمْ أَرْض لَهُ ثَوَابًا دُون الْجَنَّة إِذَا هُوَ حَمِدَنِي عَلَيْهِمَا"وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَة فِي غَيْر هَذِهِ الطَّرِيق ، وَإِذَا كَانَ ثَوَاب مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ الْجَنَّة فَاَلَّذِي لَهُ أَعْمَال صَالِحَة أُخْرَى يُزَاد فِي رَفَعَ الدَّرَجَات .