فهرس الكتاب

الصفحة 1190 من 1236

والجوابُ على هذه المسألة المهمة، يمكن أن نفهمهُ من الكلام التالي للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى حيث يقول: وهو أي الصبر على ثلاثة أنواع: صبٌر بالله، وصبر لله، وصبرٌ مع الله.

فالأول: الاستعانةَ به، ورؤيته أنَّهُ هو المصَبِّر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه، كما قال تعالى: (( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ) ) (النحل: 127) يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر.

والثاني: الصبر لله: وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبةُ الله، وإرادة وجهه، والتقرب إليه، لا لإظهار قوة النفس، والاستحماد إلى الخلق، وغير ذلك من الأعراض.

والثالث: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مُراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية. صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها، مقيمًا بإقامتها، يتوجه معها أين توجهت ركائبها، وينزلُ معها أين استَقَلَّت مضاربها.

فهذا معنى كونه صابرًا مع الله، أي قد جعلَ نفسهُ وقفًا على أوامره ومحابه، وهو أشدُّ أنواع الصبر وأصعبها، وهو صبرُ الصديقين. [2] أ. هـ.

من هذا النقل النفيس يتبينُ لنا أنَّهُ لكي يستقيم العبد في صبره، ويثبت ولا يميل عن الصبر الممدوح ذات اليمين أو ذات الشمال، فلا بُدَّ من شروطٍ ثلاثة يجبُ أن تتوفر في الأمر المصبور عليه، حتى يثبت العبد، ويفوز بأجر الصابرين.

وما خذل عبد في أمر من الأمور، وضعف ثباته وصبره فيه، إلاَّ بتخلفٍ واحد أو أكثر من هذه الشروط، وملخصها كما سبق ما يلي:

* أن يكون الصبرُ بالله تعالى: وذلك بالتبرؤ من الحولِ والقوةِ والاعتراف بالضعف والضياع، فيما لو وكلَّ العبد إلى نفسه، وهذا يُؤكدُ الاستعانة التامة بالله عز وجل، وأنَّهُ سبحانه هو المصبِّر ولولاه لم يصبر الصابرون، ويثبت الثابتون، وفي هذا إشارةٌ إلى ضرورة الدعاء والتضرع لله عز وجل، وسؤاله الصبر والثبات. كما قال أصحاب موسى عليه السلام: (( رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) ) (الأعراف: 126) .

* أن يكون الصبُر لله عز وجل، وابتغاءَ وجههِ الكريم، لا لغرضٍ من أغراض الدنيا الفانية، ولكن لإرادةِ الآخرة، وتوفيت الأجر من الله سبحانه هنالك.

* أن يكون الأمرُ المصبور عليه مُرضيًا لله عز وجل، وذلك بموافقته لما جاءَ به الرسول صلى الله عليه وسلم.

[1] مدارج السالكين 2 / 310 (باختصار) .

[2] مدارج السالكين 2 / 157.

4/2/1426 هـ

15/ 03 / 2005 م

د. توفيق الواعي

الناس معادن كمعادن الذهب والفضة والحديد، يخالط الإيمان المعادن النفيسة، فيزيدها لمعانًا وصلابة وجمالًا، وتأتي المواقف العصيبة، والكوارث الشديدة، فتكشف عن أصلها الرائع، ومادتها القيمة، وتمر بها الحوادث الجسام فتظهر أريجها الفواح، وعبقها الندي، وعطرها الجميل، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول:"تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".

فإذا جد الجد، وعزم الأمر، وتلبدت الأجواء، واكفهرت الأيام، تمايزت معادن الناس، وظهر بريق هذا، وخبا لمعان ذاك، وتباينت المواقف، فظهرت رجولات صلبة، وعزائم شامخة، وهامات سامقة، وتوارت رسوم وهياكل لأناس تعجبك أجسامهم، وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى"يؤفكون (4) (المنافقون) ، وانحدار هذا الصنف يكون لعنة على أمته وزمانه، والمعادن والجواهر الكريمة لها زاد تتغذى عليه، ولها وقود تضاء به، حرص القرآن الكريم والسنة المطهرة على تقديمه للمسلم حتى يظل متوهجًا مضيئًا، وصلبًا كريمًا، ومفكرًا نجيبًا."

وأول هذا الزاد: الصبر الجميل الصادق، الذي يوفي بالعهود، ويقف كالطود الراسخ أمام الحوادث، وقد عناه ربنا - سبحانه - في قوله:"والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون"177 (البقرة) .

والصبر قيمة وزاد، وقوة وعطاء عرفه العلماء بتعريفات عدة كلها تحمل هذه المعاني، فقال المناوي:"الصبر: قوة مقاومة الأهوال والآلام الحسية والعقلية".

وقال الراغب:"الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع". (1)

وقد يطلق الصبر على مسميات عدة بحسب وروده في الأحوال: فإن كان حبس النفس لمصيبة، سمي صبرًا، وإن كان في محاربة، سمي شجاعة، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانًا، وإن كان عن فضول العيش سمي زهدًا وإن كان عن شهوة الفرج سمي عفة". (2) هذا، وقد ذكر الله - سبحانه - الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا، وقرنه بالصلاة في قوله - تعالى:"واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين"45 (البقرة) . وجعل الإمامة والريادة موروثة عن الصبر واليقين فقال - تعالى:"وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون"24 (السجدة) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت