فهرس الكتاب

الصفحة 955 من 1236

فهذا هو منطق فرعون ومنطق كل الفراعنة في كل زمان ومكان، ليس أمامهم خيار إلا أن يبطشوا بالصالحين وبأولياء الله المتقين، والعجيب أن يتظاهر هؤلاء الطواغيت المفسدون في الأرض أنهم أهل خير وصلاح، متهمين الدعاة وحملة الشريعة بأنهم مظهرون في الأرض الفساد. وهذا من قلب الحقائق والمعاني، فإن الدعاة والمصلحين وحملة الدين هم المصلحون والطاغوت وأعوانه وأنصاره هم المفسدون.

وتأملوا إلى قول فرعون اللعين حين قال: إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ فللكفار دين غير دين الإسلام، فلهم دينهم ولنا ديننا، ولذلك وجب على جميع المسلمين إعلان المفاصلة والمفارقة للكفار وأن لا التقاء بيننا وبينهم لا في نقير ولا في قطمير، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ ياأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ [الكافرون:1-6] .

أيها المسلمون: إن سنة الله القدرية الكونية والشرعية قاضية في أن يبتلي عباده المؤمنين، فكل من قال: لا إله إلا الله صادعًا بها في وجه الكفار والطواغيت فهو معرض للتعذيب والتنكيل به من قبل أساطين الكفر والاستكبار العالمي، وهذا هو الطريق الذي اختاره الله لأهل التوحيد ولعباده المؤمنين المتقين.

ولنا في قصة أصحاب الأخدود عبرة، فإنهم ساوموهم في دينهم، فما نكصوا ولا استكانوا، وفضلوا الموت في سبيل الله على أن يقدموا التنازل لكافر أو طاغية، واستمعوا إلى رب العزة عز وجل وهو يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الاْخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْء شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:1-10] .

فانتقام الكفار والطواغيت بحملة الدين والمدافعين عن حمى الإسلام إنما هو بسبب إيمان المؤمنين بالله وتجريدهم التوحيد لله، ولذلك تأتي صنوف التنكيل وألوان التعذيب لتثني المسلمين عن الواجب المنوط بهم.

ولكن يأبى الله إلا أن ينصر أولياءه المؤمنين ويخذل أعداءه الكافرين، فالواجب على الفئة المؤمنة المجاهدة في سبيل الله أن تستمر في طريق دعوتها ولا يثنيها تكالب الأعداء عليها فإن الله مولى المؤمنين.

أيها المسلمون: لا تلتفوا إلى المرجفين المثبطين والمخذلين ولا تصغوا إلى المنافقين وأولياء الشيطان، فاعتصموا بالله وكونوا به معتصمين لا بسواه، واعلموا أن الله قادر أن ينصر دينه ويهلك أعداءه في أقل من ثانية، ولكنه شاء سبحانه وله الحكمة في ذلك أن يدفع الكفر بالإيمان، والشر بالخير، والكفار بأوليائه المؤمنين وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَاكِن لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] .

سعيد بن يوسف شعلان

جدة

عمار بن ياسر

الخطبة الأولى

أما بعد:

فاتقوا الله عباد، واعلموا أن الله تبارك وتعالى يبتلي عباده امتحانًا واختبارًا ليرى الشاكر منهم ومن يكون منهم كفارًا.

وعليه فإن الله إذا ابتلى عبده بأنواع البلايا والمحن أو بشيء منها فإن ردّ ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه، وجمع عليه قلبه وطرحه على بابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير له. والشدة بتراء لا دوام لها، وإن طالت فتقطع عنه حين تقلع، وقد عُوض منها أجل عوض وأنفعه، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائيًا عنه، وانطراحه على بابه بعد أن كان نائيًا معرضًا، وللوقوف على أبواب غيره متعرضًا، وكانت البلية في حق هذا عين النعمة وإن ساءته، وكرهها طبعه، ونفرت منها نفسه فربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببًا ما مثله سبب. وقول الله تعالى في ذلك في سورة البقرة هو الشفاء والعصمة حيث يقول الله تبارك وتعالى:

وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة:216] .

وإن ردَّ ذلك البلاء إلى خلقه، وشرد قلبه عنه، وطغى ونسي ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه، فهو علامة شقاوته وإرادة الشرّ به، فإذا أقلع عنه البلاء ردّه إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه في السراء، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء.

(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2000)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت