فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 1236

فبلية هذا وباء عليه وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل.

فإذا ابتلى الله تبارك وتعالى عبده بمنحة فإنما يبتليه بها ليرى هل يكون من الشاكرين، وإذا ابتلاه بمحنة فإنما يبتليه بها ليرى هل هو من الصابرين، والسعيد الذي أريد به الخير يشكر في السراء، ويصبر في الضراء.

ومن أمثلة الذين ابتلاهم الله تعالى بالمنح والنعم فشكروا وعرفوا الفضل لصاحبه، والنعمة لوليها وأهلها والمبتدئ بها من أمثلتهم، نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وعلى أنبياء الله ورسله أفضل الصلاة وأزكى التسليم. نبي الله سليمان آتاه الله ملكًا عظيمًا لما دعى ربه كما جاء في سورة"ص": قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص:35] .

فكيف أجابه الله تبارك وتعالى؟ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَءاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى الاْصْفَادِ هَاذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ [ص:36-40] . له سوى ذلك وله على ذلك: عندنا زلفى: هو مقرب إلينا، وحسن مآب، عدا ما ملكناه وأعطيناه في الدنيا، ومع ذلك يقول سليمان عليه السلام في سورة النمل لما حُشر له جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، وقالت النملة ادخلوا مساكنكم وسمعها وتبسم ضاحكًا من قولها لأنها قالت: ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل:18] . قال: وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [النمل:19] . رب ألهمني أن أشكر نعمتك، وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19] .

انظروا، انظروا إلى هذا النبي الكريم الذي ما أطغاه ملكه ولا أنساه ربه مع أنه أوتي من الكل ما لم يؤتاه أحد ولن يؤتاه أحد لأنه قال: لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [ص:35] .

هكذا ولما طلب من جنوده أن يأتوا بعرش ملكة سبأ، وشاورهم من الذي يستطيع أن يأتي بهذا العرش أسرع من غيره، استمع إلى قائل من عنده يقول: أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ [النمل:40] . ماذا قال؟ هل قال: هذا مُلكي؟ هذا صولجاني؟ هذه عدتي؟ هؤلاء جنودي أقوياء أقوى من غيرهم. لا. وحاشاه أن يقول ذلك. إنما قال: هَاذَا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40] . ليس هذا فحسب بل عقب فقال: وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ [النمل:40] . ما ينال الله من شكره زيادة في ملكه ولا نفع، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّى غَنِىٌّ كَرِيمٌ [النمل:40] . هكذا فليكن الشكر، هكذا فلتكن المعرفة بالله، المنعم المتفضل، وهكذا فليكن الثناء والحمد والشكر لله وحده.

فهلاَّ عرف ذلك أصحاب الأموال والجاه والمناصب وعادوا إلى الله تبارك وتعالى بالشكر على ما أولاهم، وانتبهوا إلى ما به ابتلاهم، فلم يطغوا بالأموال، ولم يستبدوا بالمناصب، ولم يسرفوا، ولم يبددوا هنا وهناك، قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال، ويتمنون عندما يرون البهائم تصير يوم القيامة ترابًا يقولون:"يا ليتنا كنا ترابًا".

ويقول الله تبارك وتعالى لواحد من المخلدين في نار جهنم: (( أرأيت لو كان لك ملئ الأرض ذهبًا أكنت تفتدي به ) )فيقول: (( قد سُئلت ما هو أيسر من ذلك. أردت منك ألا تشرك بي وأنت في صلب أبيك آدم، فأبيت إلا أن تشرك بي ) ) (1) [1] .

هلا انتبه أصحاب الجاه والمناصب إلى الفارق الهائل بين مكانة سليمان عليه السلام في الدنيا والآخرة، وبين الطغاة الذين أعرضوا عن الله تبارك وتعالى وفيهم قوله عز وجل في المبتلين بالمنح والمحن في سورة الإسراء: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا [الإسراء:83] . معرض عند الخير يئوس عن الشر.

وقال في سورة هود: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ [هود:9] . يئوس كفور إذا نُزعت النعمة، فرح فخور إذا عادت وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيّئَاتُ عَنّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود:10] .

هذه طبيعة أكثر الناس وأقلهم من يكبح جماع نفسه ويشكر ربه في السراء، ويصبر في الضراء.

ومن أمثلة المبتلين بالوقوع في المعاصي والمبتلين بالأمراض الذين لم ييأسوا ولم يقنطوا من رحمة الله. بل عادوا إليه صاغرين متذللين من أمثلتهم آدم عليه السلام أولهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت