فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 1236

قبل شهور حاصت دول الخليج حيصة الحمر داهمتها السباع، وذلك حين فوجئت باقتراح من الكونجرس أن تدفع دول الخليج المبلغ الذي تطلبه إسرائيل لقاء انسحابها من الجولان، وذلك لنقل أنظمة الصواريخ المتقدمة، والمنتشرة هناك، وقال أصحاب الاقتراح: إن دول الخليج الغنية هي التي ستنعم بالاستقرار في المنطقة بعد السلام ولهذا فعليها أن تدفع هذا الثمن، المبلغ المطلوب (من سبعين إلى ثمانين مليار دولار) ، وخرجت الصحف تحتج غاضبة على هذا الطلب، وتتسائل باستنكار يغطيه الذل والضعف والاستعطاف المهين: لماذا يطلب منا نحن كل هذا؟، إنها ثروات الشعوب، وقوت الأجيال!!.

أرأيتم لو كان لكم رجال يحبون الموت كما تحبون الحياة أكان يمكن أن يفعل بكم ذلك؟!، لا والله.

يقول المحللون: إنهم يحتجّون، لكنهم في النهاية سيدفعون!!

إن هؤلاء المجاهدين يستحقون من أمتهم الواعية كل تقدير وتكريم، فما من أرض يدور عليها صراع بين الكفر والإيمان إلا تعرفهم … تشربت من دمائهم، وسعدت بركوعهم وسجودهم.

صحيح أنهم نُكبوا وقتلوا وجرحوا وسجنوا وشردوا، وكان كل ذلك منهم في ذات الإله الحق - سبحانه -، أفيكون جزاؤهم من أمتهم الجحود والنكران والحملة الشعواء كأنهم أعداء.

إن الأمة لن تقدرهم إلا إذا كانت أمة حية واعية خيّرة، ولن تلفظهم وتجافيهم وتخاصمهم إلا إذا كانت شبه حية، غافلة، قليلة الخير!

فيا أيها المجاهدون.. طيبوا نفسًا، واثبتوا على طريقكم السامق الشريف، ولئن قلّ المعين، وضعف الناصر من المسلمين، فرب الأرض والسماء لكم خير معين وهو حسبكم ونعم النصير.

وأنتم أيها الدعاة..

تعلمون قصة الحديبية وما فيها من دروس فقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه لما جاء أبو جندل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - هاربًا من الكفار يرسف في قيوده قام إليه أبوه فلطمه وجعل يرده، قال عمر فقمت إلى جانب أبي جندل فقلت إنهم الكفار وإنما دم أحدهم دم كلب وجعلت أدني منه قائم السيف لعله أن يأخذه"."

فلئن عزّ فينا - بسبب الضعف - من يدني قائم السيف لأبي جندل، يعرِّض له به كما عرَّض به الفاروق عمر رضي الله عنه بسبب العهد، فلا أقل من أن نستقبل تلك اللفتة النبوية الحانية العميقة وهو يقول لأبي جندل:"يا أبا جَندل اصبر واحتسب فإن الله - تعالى - جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجًا".

وقوله - صلى الله عليه وسلم - في أبي بصير حين انطلق وقعد للمشركين على طريقهم فروّعهم:"مسعر حرب لو كان له أحد"أي ينصره ويعاضده ويناصره، وفي رواية الأوزاعي لو كان له رجال، قال الخطابي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (5/350) : فلقنها أبو بصير فانطلق، وفيه إشارة إليه بالفرار لئلا يرده إلى المشركين، ورمز إلى من بلغه ذلك من المسلمين أن يلحقوا به". اهـ"

إن هؤلاء المجاهدين هم جند الله وسيوف الإسلام، وتالله، ما بعد كسر السيوف - لا قدر الله - إلا العار.

فلتمض القافلة الكبيرة المباركة من الدعاة الواعين في طريق الدعوة والإصلاح، أما أنتم أبا بصير وأبا جندل ومن معكما من جند الله، فالله لكم، ولتوقنوا أن في المسلمين من لقِنوا الإشارة، وفقهوا الرمز، وأحلوكم من نفوسهم محل المجاهدين الصادقين، ونسأل الله - تعالى - أن يلهمكم رشدكم، ويسدد رميكم، وأن يؤنس وحشتكم في غربتكم، وأن يوفقنا في أن نخلفكم في أبنائكم بخير.

محمد محيي الدين

قال الله - تعالى:"وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين * وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين * وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم * وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون * وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون" {الأنفال:3430} .

لقد كان من العجب العاجب أن تقوم قريش في وجه صاحب الدعوة إلى الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وهم أهله وعشيرته وذوو قرباه، وأحق الناس بالانتصار له، والذياد عنه؛ إن اعتدى عليه أحد، كان عجيبًا حقا أن يقوم هؤلاء بالتأليب عليه وتنفير الناس منه، وهم أولو العصبية وأصحاب الحمية التي ترى أنه لا وجود للقبيلة ما لم يأخذ كل واحد منها بنصرة أخيه على من يعترض له، ويضحي في سبيل ذلك بالنفس والمال إن اقتضى الأمر هذه التضحية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت