فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 1236

وكان عجيبا أبلغ العجب أن تتمادى في مساءتة، وتبذل في سبيل ذلك الجهود الكبيرة. ثم لا تكتفي بالسخرية منه وممن اتبعه، ولا بتهديده وتهديد قرابته الأدنين بالمقاطعة والحرمان من الطعام والشراب، ولا بما فعلته من تشريد أنصاره عن أوطانهم، وإصابتهم في أنفسهم وفي أموالهم. وكان أعجب من هذا كله أن يصبر - صلى الله عليه وسلم - على أذاهم ويأمر أصحابه بالصبر، ويزيد في سماحة الخلق وكرم النفس، فيدعو الله أن يهديهم ويوفقهم إلى الاستجابة له؛ لأنه يحب لهم الخير، ويعلم أن الخير في اتباع هذا الدين الذي جاء به من عند الله. ولو كان محمد صلوات الله وسلامه عليه رجلا كعامة الرجال لأشفق على نفسه وعلى أصحابه الذين اتبعوه وعلى أعمامه الذين أخذوا أنفسهم بالانتصار له، وإن لم يتركوا دين آبائهم إلى دينه. ولخاف على نفسه وعلى هؤلاء وهؤلاء لجاجة قريش في أذاهم وافتنانها في التنكيل بهم. ولكن كان رجلا عظيم الثقة بأنه على حق يجب أن يخضع له البشر جميعا. قوي الإيمان بأنه ليس ساحرًا ولا كاهنًا ولا شاعرًا ولا اعتراه بعض آلهة قومه بسوء كما كانوا يقولون عنه وأنه لا يتلقى هذا الوحي من الجن كما كان الكهان ولا يتعلمه عن بشر كما زعم قادة الإجرام ولكنه تنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبه لينذر به قوما لدا. وكان مع هذا كله لا يشك في أن الله متم نوره. ومكمل به ما أراد للعالم من الصلاح والسعادة. لذلك لم تهن عزيمته. ولم تضعف قوته، ولم تفت في عضده الأحداث. بل كان كلما زادت قريش وأحلافها في أذاه والنكاية به محاولين صده عن سبيل ربه زاد هو مضاء في دعوته واستهانة بما يلقاه منهم بل كان ذلك أحلى في قلبه وأعذب أن يصبر لله، ويصابر في إعلاء كلمة الله، ويرفع لواء الحق الذي أحبه الله، ويزهق الباطل الذي يبغضه الله. ولو كان محمد صلوات الله عليه رجلا كعامة الرجال لملأ قلبه اليأس، فانصرف عن هذه الدعوة وألقى حملها عن ظهره، فقد لبث في قومه ثلاثة عشر عامًا يدعو ويلح في دعوته، وينذر ويبالغ في إنذاره، فلم يستجب له إلا نفر قليل ليس فيهم صناديد قريش الذين تقتفي العامة آثارهم وتسير على ما يرسمون لها من طريق. وهؤلاء الذين آمنوا معه ليس في استطاعاتهم أن يدفعوا عنه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم. إذا أرادهم القوم بالسوء. ولكن كيف يطرق اليأس نفسه، وهي النفس المملوءة يقينا بأن الله غالب على أمره. والمفعمة ثقة بأن للحق يوما يظهر فيه على الباطل فيدمغه. وإذا كان أهل مكة لم يستجيبوا له، فلماذا لا يطلب النصر عند غيرهم ممن لا يكون قد ملئ حقدًا وحسدًا، ولا يكون فيه من الغرور والكبر ما عند أهل مكة، وليس له من الرياسة الزائفة ما يحرص عليه أهل مكة الذين كانوا يزعموا أنهم سادات الداعين، وهم في خوف أن تقضي هذه الدعوة الجديدة على رياستهم التي لا تعتمد إلا على الغرور والباطل.

ويبدو له هذا الخاطر خاطر أن يعرض على غير قريش من قبائل العرب دعوته التي بعثه الله بها رحمة للعالمين إلى سبل السلام وليخرج الناس من الظلمات إلى النور ومبشرًا بما يستقبل الجزيرة من الفلاح والغلبة. بل بما يستقبل الإنسانية جمعاء من السعادة والرخاء إذا هم اتبعوه وسرعان ما يأخذ في امضاء هذا الخاطر. وكيف يتوانى ويتردد في إمضائه. أليس هو رسول الله إلى الناس كافة؟ أليس هو النور الذي حمل سراجه المنير نازلا من السماء لهداية البشر أجمعين؟ إذن فما باله لا يعرضه لأعين الناس جميعا، ويوجهه إلى قلوب الناس جميعا ليهتدي به من لم يصب عينه عشى الكبر والحسد ومن لم يطبع الله على قلبه، وكيف يتوانى ويتردد في إمضائه! أليس هؤلاء الذين حرص على أن يكونوا أول حملة هذا السراج قد خيبوا ظنه وضيعوا الكثير من آماله؟ فما باله إذن يؤثرهم ويقصر عليهم دعوته؟.

ها هو ذا يمضي إلى الطائف حيث تقيم ثقيف. وها هو ذا يجدُّ في البحث عن سادة ثقيف وأشرافهم وأهل الرأي فيهم، حتى يجد ثلاثة أخوة، هم يومئذ قادة القوم وأصحاب السلطان فيهم وهم عبدياليل، ومسعود، وحبيب أبناء عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن ثقيف وها هو ذا يجلس إليهم فيدعوهم إلى الله ويكلمهم بما عنده، ويطلب إليهم نصرته والقيام معه على من خالفه من قومه. فيواجهونه بما لا يحب فيقول له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. ويقول الآخر أما وجد الله أحدًا غيرك يرسله؟ ويقول الثالث: والله لا أكلمك أبدًا. لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله فينبغي أن لا أكلمك. فإذا يئس منهم ولم تبد له لائحة خير فيهم قال لهم:"أما إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني". يريد ألا يبلغ خبره قريشا فيعلموا هذه الخطة الجديدة فيأخذوا عليه أفواه الطرق ويغلقوا دونه قلوب الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت