فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 1236

ولم يكن عند ثقيف بقية من كرم الخلق. فلم يقبلوا منه ما جاءهم به ولم تطب أنفسهم بالكتمان عنه بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ويحصبونه بالحصى، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة. وهما جالسان فيه. فعمد إلى ظل كرمة فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما يلقى من سفهاء ثقيف. حتى إذا اطمأن في مجلسه وتفرق عنه هؤلاء الأوشاب أخذ يناجي ربه."اللهم إليك أشكو ضعف قوتي. وقلة حيلتي. وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين. وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي. ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل عليّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله". وأتى كندة في منازلهم فدعاهم إلى الله - عز وجل - وعرض عليهم نفسه. فأبوا عليه. وأتى بطنا من بني كلب يقال لهم بنو عبد الله. فعرض عليهم نفسه فلم يقبلوا منه وأتى بني حنيفة فدعاهم إلى الله فلم يكن أحد أقبح عليه ردًا منهم.

اللهم غفرًا. هذا محمد رسولك وصفوتك من خلقك والداعي إلى صراطك المستقيم وسبيلك الذي رضيته لخلقك يبذل من نفسه كل جهد ولا يألو في إعلان ما أرسلته به، ولا يجد ناصرا ولا يلقي معينا؟. هؤلاء أقاربه قطعوا أواصر القربى ومزقوا كل وشائج الرحم وهلهلوا العواطف التي من شأنها عندهم وعند غيرهم أن تصل فيما بين الناس. وهؤلاء الأباعد يتجهمونه ويغرون به السفهاء والعبيد يصيحون به ويرجمونه بالأحجار ولا يرضون منه بما يرضى به أقل العرب استمساكا بأحسن الأخلاق أن يكتموا عنه ما أفضى به إليهم من دخيلة نفسه وهو مع كل هذه البلايا التي تكفي واحدة منها لزعزعة رواسي الجبال صابر مطمئن النفس عالم أنه ما جاء أحد بمثل ما جاء به إلا عودي وأوذي واثق أن العاقبة للمتقين. وليس يخاف شيئًا إلا أن يكون بك غضب عليه. فعفوك اللهم ورضاك وتأييدك أنه لا معين له سواك.

وتعلم قريش بما كان منه وما كان من ثقيف وكندة وبني حنيفة فيعلمون أنه فكر في الانتصار عليهم بقبائل العرب وأنه أخذ لذلك أهبته. فيحذر بعضهم بعضا ويتناذرون فيما بينهم فصاحة لسانه وشدة أسر بيانه. وما يكون لذلك ولغيره من خلال الخير التي جبله الله عليها من التأثير على الناس حتى ائتمروا فيما بينهم إلا يتركوه يلقي أحدًا ممن يفد على مكة لزيارة البيت الحرام إلا حذروه أمره، ودسوا له ليجنبوه فيما زعموا الخديعة به، فكانوا لا يسمعون بقادم إلا تعرضوا له فقالوا: إنك قد قدمت بلادنا. وقد ظهر بيننا رجل أعضل بنا وفرق جماعتنا وشتت أمرنا. وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجه. وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئًا. وربما كثر الوافدون على مكة كما يكون في موسم الحج، فلم يستطيعوا أن يتحدثوا إلى الوافدين جميعا. فامكنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستطاع أن يلتقي بقوم من الوافدين وأن يعرض عليهم ما عنده، فما هو إلا أن يأخذ في الحديث اليوم حتى يكون الأمر قد بلغ قريشا فتراهم مسرعين إليه يفسدون عليه أمره، حدث عبد الله بن عباس:"إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقف على منازل من العرب فيقول: يا بني فلان. إني رسول الله إليكم. يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا. وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا وتصدقوا بي ومنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به، قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان وعليه حلة عدنية. فإذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان. إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم. وتسلخوا حلفاءكم من الجن من بني مالك بن اقيش. إلى ما جاء به من البدعة والضلالة. فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال عبد الله: فقلت لأبي: يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول فقال: هذا عمه عبد العزي بن عبد المطلب. وهو أبو لهب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت