فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 1236

ولكن عين عين الله تلحظه في خطواته كلها، وقد كفل الله له أن يعصمه من الناس. وعنده من اليقين وقوة الإرادة وصادق المعرفة بأنه إذا عز المطلب هانت التضحية في سبيله. فهو لا يبالي محاولة أعداء الحق في إطفاء نوره. ولا يعبأ بما يلاقيه في سبيل بلوغ غايته. وإذا أراد الله انفاذ أمر هيأ له أسبابه. فسار في الطريق الموصلة إليه فلم يعترضه من عقابيل الناس شيء مهما يحكموا أمرها. فقد حدث في السنين الأخيرة من مقامه بمكة أربع حوادث كانت لها الأثر الفعال في عزة الإسلام والمسلمين، أولها أنه قدم مكة قوم من أهل المدينة من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ وأبو الحيسر أنس بن رافع يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج فسمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم فجلس إليهم. فقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟ فقالوا: وما ذاك قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ أي قوم. هذا والله خير مما جئتم له. فيأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فيضرب بها وجه إياس بن معاذ ويقول: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا. فصمت إياس. وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم. وانصرفوا بعد ذلك إلى المدينة. ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن تُوفِّي، ويحدث قومه أنه حين حضرته الوفاة لم يزل يهلل الله - تعالى - ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فكان ذلك مبدأ لشعور أهل المدينة بالإسلام وبصاحب الدعوة إليه، فلما كان موسم الحج حدثت الثانية وخلاصتها أن قوما من الخزرج خرجوا لزيارة بيت الله فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فقال بعضهم لبعض: وإنه والله للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم وقالوا له"إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم. فعسى أن يجمعهم الله بك: فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوهم إلى الإسلام. ففشا فيهم حتى لم تبق دار من دور المدينة إلا وفيها ذكر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. حتى إذا كان الموسم من قابل حدثت الثالثة فقدم مكة اثنا عشر رجلا من أهل المدينة من بني النجار وبني زريق بن عامر وبني عوف بن الخزرج وبني سالم بن عوف وبني سلمة وبني سواد بن غنم. وكل أولئك من الخزرج وبني عبد الأشهل وبني عمرو بن عوف وهما من الأوس فكانت بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين هؤلاء النفر بيعة العقبة الأولى. بايعهم فيها على أن لا يشركوا بالله شيئًا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم. ولا يعصونه في معروف. فإن وفوا بذلك فلهم الجنة. وإن فعلوا من ذلك شيئًا فأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، فلما اعتزموا الانصراف إلى المدينة أرسل معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى. وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين. فكان مصعب في المدينة معلما لمن آمن بالله ورسوله. وكان مع ذلك داعية لمن لم يؤمن. فصدق في الدعوة إلى الله وأخلص في النيابة عن رسول الله. فأسلم على يديه جماعة من أهل المدينة منهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير. وهما يومئذ سيدا قومهما بني عبد الأشهل. فلما خالطت حلاوة الإيمان قلب سعد بن معاذ انطلق إلى نادى قومه فلما وقف عليهم قال"يا بني عبد الأشهل. كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا. وأوصلنا. وأفضلنا رأيا. وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فلم يمس في دور بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا دخل الإيمان إلى قلبه. فلما كانت الحجة القابلة حدثت الرابعة وهي بيعة العقبة الكبرى التي بايع النبي فيها أهل المدينة على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأعطاهم الرسول يده على أن يقيم بين أظهرهم ولا يعود إلى الإقامة بين أهل مكة وأن أظهره الله عليهم، وعلى أن ذمته ذمتهم وحرمته حرمتهم يحارب من حاربوا ويسالم من سالموا وأعطوه العهد على أنهم وافون له على نهكة الأموال وقتل الأشراف"."

وتبلغ هذه الأخبار كلها قريشا فيهولها الأمر. ويفزعها أن يجد محمد والصبأة من أصحابه أعوانا في يثرب يصيبون بهم منعة إن يشاءوا. ثم يملك عليهم نواحي تفكيرهم أن يروا هؤلاء الصبأة يتسللون إلى إخوانهم في يثرب. فيدعون إلى اجتماع عام في دار الندوة يتشاورن فيما يأخذون وما يدعون من أمر هذا الذي أعياهم بصبره وحسن تجلده ويجتمعون فيكون منهم ما قص الله - تعالى - في كتابه الكريم في الآيات التي تلوت في صدر هذا الكلام اجتمعوا ليمكروا به. واختلفوا فيما يكون منهم ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت