السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اليوم وبعد أن أقيمت صلاة العشاء في المسجد الذي بجوار منزلي، إذ بشاب في أوائل العشرينيات من عمره يمشي عن طريق (عكازين) حيث أن قدمه اليسرى مبتورة من أعلاها، ووضع العكازين في زاوية من زوايا المسجد، ثم جاء ووقف بجواري في الصف، وحين كنا نسجد أو نرفع من السجود الثاني إلى القيام، كان هذا الشاب تقريبًا يقفز لكي يستطيع أن يسجد، وكذلك يقفز لكي يستطيع أن يهب واقفًا مرة أخرى، وطوال فترة وقوفه كان معتمدًا على قدمه اليمنى فقط، ولم يجلس قط رغم أن الشرع أباح له هذا، وكان يترنّح يمينًا ويسارًا بين الفينة والفينة، لكي يحافظ على اتّزانه. لقد شغلني صبر هذا الشاب، وإصراره على إتمام الصلاة دون أن يثقل على أحد من المصلين، أو حتى يطلب المعونة من أحد، ولو فعل لوجد الكثير ممن تتهافت نفوسهم لمساعدته.
بعد الصلاة، لم أتمالك نفسي، فسلّمت عليه، والتزمته وقبلته، بل وبكيت..لست وحدي وإنما كل من رأوه بكوا. كذلك لقد شعرت بمشاعر مختلطة من الشفقة والفخر والخجل؛ لقد أشفقت عليه، وعلى حرصه على الصلاة، وعلى إتمامها وكأنه سليم معافى، دون أن يستعين بمقعد أو أن يجلس على الأرض مثلًا، عجبت من حرصه على الوقوف في الصلاة، وهو المعذور المريض، وغيره من الأصحاء تجدهم واقفين أيضًا ولكن في طوابير السينمات والمسارح، وإن قلت لأحدهم تعال إلى المسجد وصلِّ لله وقم له خمس دقائق فقط، لتركك وولّى عنك مدبرًا!!
وشعرت بالفخر به، فهو مفخرة لكل مسلم.. كم ديننا عظيم، وإنما تنتقل عظمة هذا الدين لمن يلتزم به، وشعرت بالخجل من نفسي، فنحن لو أصابنا خدش بسيط في أقدامنا لحنقنا، ولسخطنا ولتأففنا، ولو حاول أحدنا أن يقف على قدم واحدة لمدة خمس دقائق لما استطاع ذلك، فما بالك بمن يقيم كل صلاة على هذا الحال؟؟ لقد نظرت في عيني هذا الشاب، ولم أجد إلا الرضى بقضاء الله، والرضوخ لحكمه - سبحانه وتعالى -. وعندما تحدثت إليه، قال أن ذلك ابتلاء، وأنه لفخر لي أن أُبتلى من الله - تعالى -، وأن ذلك الابتلاء كفارة للذنوب، فأنا في نعمة ولست في نقمة، فقلت له: صدقت، ولو أدرك الناس المعنى الذي أنعم الله عليك بفهمه، لتغيّر حال المسلمين..
إن هذا الإنسان مثال مشرف بحق، يستحق أن نقف عنده، ونتدبّر لما فيه من عبر وصور فلنحمد الله جميعا على نعمة الصحة. وأنت يا من ابتلاك الله بأي بلاء، سواء في نفسك، أو في مالك، أو في زوجتك، أو في أولادك.. يا من ابتلتِ بعدم الإنجاب، أو بفرقة الأحباب، أو فقد الأصحاب، فلتصبر ولتصبري؛ فإن الابتلاء هي سنّة الله في خلقه، فلقد قال الله - تعالى -في سورة الملك: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ، وقال الله - تعالى -في مطلع سورة العنكبوت: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} ، فتلك سنّة الله حتى يميز الخبيث من الطيب، الصالح من الطالح، الباكي من المتباكي..
فلنرجع إلى الله، ولنصبر، ولنعتبر..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدكتور رياض بن محمد المسيميري
الحمد لله، وأصلي وأسلم على رسول الله وآله وصحبه ومن سار على هداه، وبعد:
فلا ريب أنّ الأمة تمر بظروف عصيبة مؤلمة، وتعاني ويلات فتن خطيرة في دينها وعقيدتها وأخلاقها، وتواجه تحديًا حضاريًا عالميًا بل حربًا صليبية صهيونية تستهدف في كيانها ووجودها.
ومن الخطأ الجسيم أن نتغافل أصل الصراع بين المسلمين وأعدائهم من يهود ونصارى، وأنه في أصله صراع عقدي ديني سيما وقد صرّح العدو نفسه بدوافع الصراع ومنطلقات الحرب في أكثر من مناسبة.
ومن الخطأ البيِّن كذلك أن يتناول هذه القضية الخطيرة بشيء من الارتجالية والاستعجال أو بدوافع من العاطفة والحماس غير المنضبط.
لا بد أن نعترف أن ما يمارس اليهود والصليبيون كل يوم في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها هو استفزاز خطير لمشاعر الأمة المسلمة بعامة ولشبابها الغيور على وجه الخصوص.
ولا يمكن أن نتصور بقاء الشباب المسلم مكتوفي الأيدي إلى الأبد أمام تلك الممارسات الدموية الظالمة وتلك الحرب"الصهيوصليبية"فمن حقه أن يغار، بل من واجبه أن يغار لدينه ودماء إخوانه، بل من وأحق أن يهتم لنصرة دينه، وإعلاء كلمة لله بكل وسيلة مشروعة أسُّها ورأسها الجهاد في سبيل...بيد أن الجهاد في سبيل الله قد لا يتيسر لكل أحد سيما والأبواب مؤصدة والموانع كثيرة.
فما العمل إذًا والحالة هذه؟ هل نكتفي بسبّ اليهود وشتم النصارى؟ أم يكون الحل ببث الأحزان، وسكب العبرات، وندب الزمان؟!.
إنَّ الحلَّ العملي الواقعي لمشكلاتنا وصراعاتنا مع أعدائنا يجب أن يتضمن في نظري الأمور التالية: