فهرس الكتاب

الصفحة 959 من 1236

ويحب الله تبارك وتعالى أن يعرف عباده أن لا طريق إلى النجاة إلا بعفو الله ومغفرته، ليس بالعمل لأن الله تبارك وتعالى عندما يذنب العبد ويُبتلى بالوقوع في المعاصي يحب أن يريه أنه إذا عذبه فبعدله، وببعض حقه عليه، بل باليسير من هذا الحق، وأنه إن أنجاه فبعفوه ومغفرته كما تعرفون من الحديث: (( لن يدخل الجنة أحدكم بعمله ) )قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ) ) (3) [1] .

كذلك إن العبد إذا تربى في العافية لم يعرف ما يقاسيه المبتلون إذا عافاه الله من الأمراض والأسقام والوقوع في المعاصي والذنوب لم يعرف ما يقاسيه غيره من المرضى ومن الذين يقعون في الذنوب بسبب غلبة أنفسهم لهم فإذا ابتلي حينئذ عرف قيمة العافية وعرف مقدارها.

ثم إن من حكمة الله تبارك وتعالى أنه يريد أن يتعامل العبد مع إساءات الناس إليه ونزلاتهم معه بالعفو والصفح والمغفرة، فيتعامل مع ذنوبهم معه كما يحب أن يصنع الله بذنوبه، فكما يحب أن يصنع الله بذنوبه، فليتعامل مع إساءات الناس إذا اعتذروا وإذا تأسفوا وندموا، فليقل عثراتهم وليقل معاذيرهم وليتقبل منهم، مع إقامته لأمر الله فيهم.

إن رأى الله فيهم أمرًا قام به رحمة لهم لا قسوة ولا فظاظة عليهم.

وكذلك إذا شهد العبد تقصيره وخطأه وذنبه، علم أنه ليس له عند الناس حقوق في الإكرام يتقاضاهم إياها، ويذمهم على ترك القيام بها، لأنه ما دام مذنبًا مخطئًا مسيئًا فليست له الأشرفية والأفضلية على أحد، فلماذا يشكو من الناس ويحاسبهم ويقول: لقيني فلان فلم يبش في وجهي، ولقيني وأنا أمام بيته فلم يقل لي تفضل، إلى غير ذلك.

لو عرف العبد أنه مخطئ مذنب مسيئ لم يرى لنفسه فضلًا على غيره من المؤمنين بالله واليوم الآخر.

فاستراحت نفسه واستراح الناس من شكايته وتعبه، فما أقر عينه وما أهنأ باله وما أطيب عيشه، يستريح الناس من شكايته وتعبه.

فأين هذا ممن لم يزل عاتبًا على الناس شاكيًا لتركهم القيام بحقوقه، ساخطًا عليهم وهم عليه أسخط، لكنه إذا لقيه أحد فسلم عليه، وانبسط وجهه إليه، رأى أن ذلك تفضلًا ممن فعل معه مع فعل لأنه مذنب مسيء، مخطئ معترف بالتقصير فلا يرى لنفسه فضلًا على أحد.

ما دمت تُذنب كما يذنب الآخرون، وليس لك الكمال فإن عليك ألا ترى لنفسك فضلًا على أحد حتى تستريح وتُريح، ثم إن من حكم الله تبارك وتعالى إذا ما ابتلى عبده أن يشتغل بعد ذلك بعيبه؛ لأنه إذا أذنب عذر الآخرين الذين غلبتهم أنفسهم في ساعة من الساعات، فإن غلبت كذلك هو نفسه عذرهم واشتغل بعيوبه وغض الطرف عنهم، وتفرغ لعيوبه، وارتفع عن التفكير أو الخوض في عيوب الآخرين، فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن شغلته عيوب الناس وتفرغ لها.

ثم بعد ذلك من الحكم العظيمة في الابتلاء أن يستغفر العبد لإخوانه المسلمين لأنه إن أذنب أحس بالحاجة إلى أن يستغفر له إخوانه فيصير هجيراه: رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.

فسبحان ذي الحكمة الباهرة التي بهرت عقول العالمين.

(1) البخاري (6538) ، ومسلم (2805) من حديث أنس بن مالك.

(2) البخاري (6306) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.

(3) البخاري (573) ، ومسلم (2816) عن أبي هريرة بنحوه.

سعود بن إبراهيم الشريم

مكة المكرمة

المسجد الحرام

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فأوصيكم ـ أيّها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ التي هي معتصَم عند البلايا، وسلوان في الهمّ والرزايا.

واعلموا ـ حفظكم الله ورعاكم ـ أنّ الابتلاء سنّة ربّانية ماضية، هي مِن مقتضيات حكمةِ الله سبحانه وعدله، متمثِّلًا وقعُه بجلاء في الفقر والغنى والصحّة والمرض والخوف والأمن والنقص والكثرة، بل وفي كلّ ما نحبّ ونكرَه، لا نخرج من دائرة الابتلاء، يقول الله تعالى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168] ، ويقول سبحانه: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35] ، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (نبتليكم بالشدّة والرخاء، والصحّة والسّقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطّاعة والمعصية والهدى والضلالة) (1) [1] .

عبادَ الله، العاقل الحصيفُ يجب عليه حتمًا أن يوقنَ أنّ الأشياء كلَّها قد فُرِغ منها، وأنّ الله سبحانه قدّر صغيرها وكبيرَها، وعلم ما كان وما سيكون وأن لو كان كيف يكون، وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَىْء [الأنعام:38] ، يقول الرسول: (( أوّلَ ما خلق الله القلمَ قال له: اكتب، قال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقاديرَ كلّ شيء حتى تقوم الساعة ) )رواه أبو داود (2) [2] .

(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2866)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت