وذو النون يونس عليه السلام، لما ابتلاه الله بالتقام الحوت له فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ اله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] . اعترف بالألهية لله وحده، ونزهه عن العيب وأضاف الظلم إلى نفسه قال: إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
أجيب: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذالِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:88] . وكذلك ننجي كل مؤمن اغتم أو أهمه أمر كذلك ننجيه إذا قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
وهذا ما تضمنه دعاء سيد الاستغفار الذي علمناه رسول الله كما في صحيح البخاري عن شداد بن أوس رضي الله عنه: (( اللهم أنت ربي لا إله أنت أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) ) (2) [2] .
ففي أول هذا الدعاء اعتراف بالربوبية المتضمن لانفراد الله وحده، بهذا الخلق سبحانه وبعموم المشيئة ونفوذها واعتراف بالإلهية ويتضمن عبادته وحده لا شريك له، ويتضمن الاعتراف بالعبودية والتبرأ من كل وجه إليه سبحانه تبارك وتعالى، (( وأنا على عهدك ووعدك ) )يتضمن التزام شرعه ودينه ووعدك مصدق بالموعود بالجزاء من الثواب ففيهما الإيمان والاحتساب، يؤمن ويحتسب عند الله ثواب إيمانه، ولما علم الله تعالى أن العبد لا يوفى هذا المقام حقه أن يكون على عهده ووعده قال (ما استطعت) أي على حسب الاستطاعة والقدرة (( أعوذ بك من شر ما صنعت ) )يشهد لله بقوته وقدرته على أن يحميه من شر نفسه ومن عدوه، ويعترف بالذنب والتقصير، ثم ينسب النعم كلها إلى وليها ومولاها إلى الله تعالى فيقول:
(( أبوء لك بنعمتك علي ) )ويعترف بذنبه فيقول: (( وأبوء بذنبي ) )، فكأنه يقول: أنت المحمود المشكور لك الحمد كله، ولك الثناء كله، ولك الفضل كله، وأنا العبد المسيء المذنب المعترف بتقصيره، وذنبه المقر بخطئه (( أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي ) )ولما قام بقلبه وتوسل بهذه الوسائل قال: (( فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) ).
اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.
ولله تبارك وتعالى في الابتلاء حكم عظيمة وكثيرة منها:
أنه يحب أن يرى من يتوب من عباده ومن يقنط من رحمة الله، ولهذا قالت الملائكة لإبراهيم عليه السلام لما بشروه بالغلام وقال لهم: أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَى أَن مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشّرُونَ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقّ فَلاَ تَكُن مّنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ [الحجر:54-56] .
يحب الله تبارك وتعالى أن يرى التوابين من عباده إذا ما ابتلوا بمرض أو بالوقوع في ذنب.
ولهذا قال الله تعالى في سورة الأنعام: وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَاكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنعام:42-43] .
لم يتضرعوا إلى الله، لم يسألوه تعالى أن يتوب عليهم بل قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ [الأنعام:42] .
يحب الله تبارك وتعالى أن يرى التوابين.
ومن حكمة الابتلاء أنه سبحانه يريد أن يعرف عبده عدة قضائه، ونفوذ مشيئته، وجريان حكمه، يحب أن يعرف العبد ذلك وأن قضاء الله تعالى وقدره سار عليه نافذ، ويحب الله تبارك وتعالى أن يعرف العبد أن الله هو الذي يحفظه ويصونه وهو محتاج إليه، فإذا تخلى عنه تناوشته الشياطين، ومدت يديها إليه، وتناوشته ومزقته كل ممزق، فحاجته إلى ربه عظيمة، ويحب الله تبارك وتعالى أن يستعين به عبده في أن يعيذه من شر نفسه، ومن عدوه.
ويحب ربنا تبارك وتعالى ألا يشمخ العبد بنفسه عندما يشهد في نفسه صلاحًا واستقامة، فإذا ما وقع في الذنب عرف أنه مسيء ومذنب ومخطئ فلم يشمخ بنفسه، وعرف أنه لما كان طائعًا كان ذلك بتوفيق الله عز وجل فلما حجب الله عنه توفيقه غلبته نفسه، وانكب على المعاصي والذنوب فهذه حكمة أخرى من حكم الابتلاء.
ويحب الله عز وجل أن يرى عباده سعة حلمه وكرمه، وأنه يعفو عنهم ويتقبلهم إذا ما رجعوا وتابوا ولن يعرفوا ذلك إلا من خلال موافقة الذنوب، فإذا شهدوا التقصير في أنفسهم علموا أن الله لن يعفوا عنهم إلا لأنه واسع الحلم كريم.