يقول - صلى الله عليه وسلم:"إن من الناس ناسًا مفاتيحُ للخير مغاليقُ للشر"رواه ابن ماجة، وحسنه الألباني، وهؤلاء صحبتهم والبحث عنهم من أعظم وسائل الثبات، ابحث عن العلماء، والصالحين والدعاة المؤمنين، وقد حدثت في التاريخ الإسلامي فتن ثبت الله فيها المسلمين برجال، ومن ذلك: ما قاله علي بن المديني - رحمه الله تعالى:"أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة"، وهنا تبرز الأخوة الإسلامية كمصدر أساسي للتثبيت، فإخوانك الصالحون، هم معين كبير لك في الطريق، وهم ركن شديد تأوي إليه؛ فيثبتونك بما معهم من آيات الله والحكمة.. الزمهم وعش في أكنافهم، وإياك والوحدة فتتخطفك الشياطين فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
قد ينزلق البعض في الفساد بسبب الإعجاب، والاغترار بما يتظاهر به أهل الباطل، ولقد حذر الله من هذا، وحث المؤمنين على استبانة سبيل المجرمين، فقال - تعالى:"لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ" (آل عمران: 196) ، وفي هذا تسرية عن المؤمنين وتثبيت لهم، وفي قوله - عز وجل:"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً" (الرعد: من الآية17) عبرة لأولي الألباب في عدم الخوف من الباطل والاستسلام له، ومن طريقة القرآن فضح أهل الباطل وتعرية أهدافهم ووسائلهم، قال - تعالى:"وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ" (الأنعام: 55) حتى لا يؤخذ المسلمون على حين غرة، وحتى يعرفوا من أين يؤتى الإسلام، ومن هذا الباب ما يقوم به الدعاة من كشف خطط المفسدين من المغربين، والمنافقين وغيرهم؛ لاستبانة سبيلهم، ومعرفة حالهم، وأنها لا تستحق الاغترار بها أو الإعجاب.
إخوة الإسلام: ومهما يكن من الوسائل المعينة على الثبات فإنه لا محيص من استجماع الأخلاق المعينة على الثبات وعلى رأسها الصبر، لا يمكن أن تفعل شيئًا من الوسائل إذا لم تكن صابرًا وفي الحديث قال - صلى الله عليه وسلم:"وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر"رواه البخاري، ومسلم.
وبعد أحبتي في الله... إن الثبات على دين الله مطلب عزيز، ومرتقى صعب لا يتجاوزه إلا المخفون من الذنوب، والموفقون من عباد الله، فاجعل من محاسبتك لنفسك هذا العام أن تتفقد ثباتك على الطريق الذي تحب أن تلقى الله عليه، تفقد ثباتك على الطريق الذي تحب أن تختم حياتك به، فما أكثر الصالحون المتنسكون في المواسم، وما أقل الثابتون على الخير، وما عساك مستفيد من عمل سبق أن عملته ولكنك طمسته، وما نَفْعُك من خير عملته يومًا، وتركته دهرًا إلا نفع قليل، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.
اللهم اجعل هذا العام عام خير على الإسلام والمسلمين وأطل أعمارنا، ومد آجالنا في حسن طاعتك والبعد عن معصيتك، واجعلنا ممن يتبوأ من الجنة غرفًا تجري من تحتها الأنهار،
وصلى الله على محمد وآله.
معيد في قسم الفقه بكلية الشريعة بالرياض
عادل عبد الرحمن محمد
وقت تمر الأمة فيه بمراحل حرجة من حروب وفتن ربما لو فكر فيها الرجل العاقل لشرد ذهنه وانخلع قلبه مما يرى، ولكن اعلم أخي المسلم أن الثبات على الحق والتمسك به من صفات المؤمنين الصادقين، قال - تعالى:"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة"وقدوتنا في ذلك هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد لاقى ما لاقى ومع ذلك كان أشد ثباتًا حتى بلغ رسالة ربه على أتم وجه.
فاحذر أخي من الانتكاس بنوعيه؛ الكلي: وهو الردة، والجزئي: وهو ترك شيء من الدين ببعض الحجج الواهية، فإن الانتكاسَ مَذْمُوم. قال - تعالى:"ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون" {السجدة:} .
وقال - صلى الله عليه وسلم: تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين، قلب أبيض كالصفا، وقلب أسود مربادا كالكوز مجخيا (أي مقلوبًا) لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرًا. وهذه صفة أهل النار ويقول - صلى الله عليه وسلم -."تعس عبد الدينار. تعس عبد الدرهم. تعس عبد الخميصة. تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش".
ومن المعروف أن الدينار مملوك والعبد مالك للدينار فكيف يكون الدينار هو المالك والعبد هو المملوك؟
من ذلك يتبين لنا أن العبد إذا انشغل بجمع الدينار وتركَ عبادة الله كان عبدًا للدينار من دون الله ولذلك يدعو الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الصنف فيقول"تعس وانتكس".