من أجل هذا نقول للمرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس: إنَّ طريق الفلاح والتمكين هو طريق المصابرة والمرابطة، كما قال الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] . نعم.. نعلم يقينًا أن التضحيات جسيمة، والضغوط عليكم لتتخلوا عن رباطكم، ومصابرتكم تنوء بها الجبال الرواسي، ولكنَّ الظنَّ بكم أن تكونوا أسوة للمرابطين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ فبرباطكم وثباتكم سيشع نور النصر بإذن الله وعونه، وما عهدناكم إلا أهل قوة ويقين، وتأملوا قول الله - تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] ، فمن تربى على معين الأنبياء الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لن يتطرق الوهن أو الضعف إلى قلبه؛ بل تراه شامخًا بدينه، معتزًا بعقيدته، صابرًا محتسبًا، وإن أحاطت به الفتن من كل جانب.
شوال 1423هـ * ديسمبر 2002م
http://albayan-magazine.comالمصدر:
د. أنور أبو زيد
إن من خصائص ديننا الإسلامي الثبات في المقومات وفي القيم، فهي لا تتغير ولا تتطور حينما تتغير ظواهر الحياة الواقعية، وأشكال الأوضاع العلمية، بل إن هذه التغيرات تظل محكومة بالمقومات والقيم الثابتة لهذا الدين.
ولا يعني هذا تجميد حركة الفكر والحياة، لكن على أن تكون حركتها داخل الإطار الثابت لهذا الدين، وحول محوره الثابت، بهذا الميزان تضبط البشرية حركتها فلا تمضي شاردة على غير هدى؛ كما وقع في الحياة الأوروبية عندما أفلتت من عروة العقيدة، ووقعت في ظلمات التيه لما تركت البشرية هذا الأصل الثابت، ففلت منها الزمام الذي كان يشدها إلى دينها، وأصبحت أشبه بجرم فلكي خرج من مداره، وفارق محوره الذي يدور حوله فيوشك أن يصطدم فيدمر نفسه، ويصيب الكون كله بالدمار.
والعاقل الواعي الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم، حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة يراها تتخبط في تصوراتها، وأنظمتها، وأوضاعها، وتقاليدها، وعاداتها، وحركاتها كلها، تخبطًا منكرًا شنيعًا، يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد، كما تغير أزياءها في الملابس، يراها تقضي على الهدف السامي من وجود هذا الإنسان لتحوله إلى آلة تضاعف الإنتاج، وتحقق الربح لزمرة من المرابين، وتجار الشهوات، ومنتجي الأفلام السينمائية، وبيوت الأزياء وغيرهم من النفعيين الماديين.
يهتفون لهذه القطعان البشرية التائهة بالتطور والانطلاق، والتجديد، والحرية، والمساواة، وهي في حقيقتها مجرد شعارات زائفة، تدغدغ بها عواطف الأجيال التائهة.
تواجه المسلم اليوم تحديات معاصرة، وتيارات فكرية، وموجات عاتية، ومغريات وشهوات وشبهات، فلا تزال به حتى تدعه في حيرة من أمره، فأضحى المتمسك بالسنة متساهلًا، والمناصر لها مناوئًا، وتخلت الفتاة المسلمة عن حياتها وحشمتها، واستسلمت للدخيل من الأفكار، وحامت حول الحمى، وأوشكت أن تقع فيه.
لقد أضحى الدين غريبًا تجاه هذه الرياح - رياح التغيير الوافدة -، حتى أصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، إنها رياح تغيير عاتية وفدت على المسلمين من وراء البحار، من كل حدب وصوب، تريد تغيير كل شيء: ثوابتنا، وعقيدتنا، وسلوكنا، تريد استقطاب شبابنا، ورجالنا، ونسائنا، واستلاب ثقافتنا، إنها رياح تحمل إلينا الدمار.
وقد زاد من عتو هذه الرياح أن لها أناسًا من بني جلدتنا يفتحون لها أبواب بيوتنا، وجامعاتنا، ومعاهدنا، ومدارسنا، بل ويرفعون من شأنها عند الناشئة المسلمة، وهذه الرياح تفد إلينا عبر الإذاعة، والتلفاز، والأقمار الصناعية، وعبر المجلة والجريدة، والكتاب، وعبر رجال الفكر من الوافدين، أو من أبناء المسلمين الذين رضوا بها، ورضعوا ألبانها.
هذه الرياح هي رياح التغريب الوافدة، التي تزين الحضارة الغربية، والسلوك الغربي، والقيم الغربية السافلة القذرة، إنها حضارة الغالب في وجه حضارة المغلوب، تلك سنة الله وحكمته يداول الأيام بين الناس، فهي مرة للمؤمن على الكافر، ومرة للكافر على المؤمن (( وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين أمنوا ويمحق الكافرين ) ).
إن المؤمن الحق هو من يميز بمعرفته أن هذا البلاء من عدوه الكافر والمنافق والفاسق إنما هو بسبب تمسكه بهذا الدين، وصبره عليه، ودعوته إليه، فما يلقاه المؤمن في سبيل هذا الدين إنما هو أثر من آثار الاستقامة على المنهج، وهنا يكون الناس بين موقفين: