ونفت القدرية قدرة الله، وتقديره لأفعال العباد؛ لئلا يقع ويصدر منه تعالى الشرور والمعاصي التي هي أفعال العباد، وهذا غاية التحريف والانحراف في هذه المسألة الجليلة. وأهل السنة قاطبة على أنه تعالى خلق الأشياء كلها وقدَّرها، وأرادها، فأحب الطاعات والإيمان، والخير، وكره الكفر والفسوق والعصيان، قال تعالى:"إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم" [الزمر:7] ، وقال:"هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن" [التغابن:2] .
الخامس: أن أصل ضلال الخلق هو طلب تعليل أفعال الرب بعلل وحكم راجعة إليهم يحكمونها بآرائهم وأقيستهم العقلية، فما يرونه مجانبًا للعدل في عقولهم يعللون؟ بوجوبه على الله تعالى، وأن عليه أن يفعل الأصلح، ومن هنا صار عامة القدرية الخائضين في القدر على طريقة التعليل صاروا مشبهة في الأفعال، يقول ابن تيمية - رحمه الله- في تائيته المشهورة: (وأصل ضلال الخلق من كل فرقة، هو الخوض في فعل الإله بعلّة) .
السادس: أن الحكمة تابعة للعلم والقدرة، فمن كان أعلم وأقدر كانت أفعاله أحكم وأكمل، والرب -تعالى- منفرد بكمال العلم والقدرة، فحكمته متعلِّقة بكل ما تعلّق به علمه وقدره، كما سبق ذلك في الأصل الأول.
السابع: أنه لا يلزم من أثبت تعليل أفعال الله بالحكم والمصالح أن يعلم علة كل فعل وأمر، بل عليه أن يعتقد أن لله -تعالى- في جميع أفعاله حكمًا جليلة - ظهرت لنا أو خفيت- فالله -تعالى- لم يطلع خلقه على جميع حكمه، بل أعلمهم بما شاء، وما خفي عليهم أكثر مما علموه.
ومن هذه الأصول وغيرها يتبين لك - أخي- أنه لا تضاد بين علم الله وقدره، وبين رحمته وعدله، وكون هذا من الغيب أو لا - كما في سؤالك-، فأقول لك: رحمة الله وعدله آثارها وأسبابها ودلائلها ليست غيبًا، بل هي معلومة لنا في القرآن والسنة، وهي داخلة ضمن ما أمرنا بتدبره، وكذلك أسماء الله وصفاته ما يتعلق بمعانيها ودلالاتها، ومعرفة الله وعبادته بمقتضاها هي من الوجه المعلوم لنا، والمذكور في دلائل القرآن والسنة.
أما الكيفيات لما سبق وتفاصيل الحكم والعلل والغايات، فهو ما لم نؤمر بمعرفته وتطلبه، بل بالعكس جاءت الأدلة بالمنع من ذلك، لا لأن العقل يحكم باستحالته وانتفائه وامتناعه، ولكن لأن العقل يحار فيه ولا يدركه ولا يطيقه، كما قال تعالى:"ولا يحيطون به علمًا" [طه:110] ، فلا نحيط علمًا بالله لا بذاته ولا بأسمائه، ولا بصفاته، ولا بأفعاله، ولا بأقداره، ولا بحكمه، يقول تعالى:"لا يُسأل عما يَفعل وهم يُسألون" [الأنبياء:23] ، وجاء النهي من النبي - صلى الله عليه وسلم- عن الخوض بالقدر كما في قوله:"... وإذا ذكر القدر فأمسكوا"أخرجه الحارث بن أبي أسامة (742-بغية) والطبراني في الكبير (10448) ، وحسَّنه العراقي وابن حجر والسيوطي، وصحَّحه الألباني، ولما خرج -صلى الله عليه وسلم- على الصحابة - رضي الله عنهم- يومًا وجد بعضهم يتنازعون في القدر، غضب غضبًا شديدًا حتى احمرّ وجهه، حتى كأنما فقئ في وجنتيه حب الرمان فقال:"أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم، إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه"أخرجه الترمذي (2133) من حديث أبي هريرة، وحسَّنه الألباني، وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- بلفظ:"لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم"أخرجه أحمد (206) ، وأبو داود (4710) ، والحاكم (1/159) .
وهذه الأدلة وغيرها محمولة عند أهل العلم على النهي عن الخوض بالقدر بلا علم، وثانيًا: على الاعتماد في معرفة أسرار القدر على العقل البشري، وثالثًا: على البحث عن الجانب الخفي في القدر الذي هو سر الله في خلقه، ورابعًا: على الأسئلة الاعتراضية التي دافعها التعنُّت والتحكم على الله تعالى.
وأخيرًا: أسأل الله لي ولك العلم النافع، واليقين الصادق، ولعلك تقرأ مزيدًا من ذلك في رسالة ابن تيمية: (أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة، والتعليل) ، وكتاب ابن القيم (شفاء العليل) ، والقضاء والقدر للمحمود، ومثله الدسوقي، وشرح تائية ابن تيمية وغيرها. وفقك الله.
المجيب د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -سابقا-ً
التصنيف الفهرسة/ الاستشارات/ استشارات دعوية وإيمانية/ قضايا إيمانية/الصبر
التاريخ 09/09/1425هـ
السؤال
رجل يعمل سائقًا على سيارته منذ عام 94، وركب عدَّة سيارات، وكلما اشترى سيارة إما أن يحدث له حادث أو جميع الدخل من السيارة يصرف في تصليحها، علمًا بأن بيته لا ينتفع منه بشيء، فهل هذا غضب من الله أم ابتلاء؟ نرجو الإفادة، وكيف التصرُّف؟.
الجواب
(1) - فتاوى واستشارات الإسلام اليوم - (ج 20 / ص 85)