فهرس الكتاب

الصفحة 1224 من 1236

أرسلوا إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - يناشدونه بالله أن يضمهم إليه.. فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم أن يأتوا المدينة؟

فلما وصل إليهم الكتاب.. استبشروا وفرحوا..

لكن أبا بصير كان قد ألم به مرض الموت.. وهو يردد قائلًا: ربي العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر..

فلما دخلوا عليه وأخبروه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لهم بسكنى المدينة.. وأن غربتهم انتهت.. وحاجتهم قضيت.. ونفوسهم أمنت..

فاستبشر أبو بصير.. ثم قال وهو يصارع الموت: أروني كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.. فناولوه إياه..

فأخذه فقبله.. ثم جعله على صدره.. وقال: أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدًا رسول الله.. أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدًا رسول الله.. ثم شهق ومات.

الخطبة الأولى:

أما بعد... فاتقوا الله أيها المؤمنون كما أمركم ربكم فقال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" (1) واعلموا أيها المؤمنون أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف شاء فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ) ) (2) رواه مسلم وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينًا شدة تقلب قلوب العباد: (( لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت غليانًا ) ) (3) رواه أحمد بسند لا بأس به وقد قيل:

وما سمي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ *** ولا القلب إلا أنه يتقلب

ومصداق هذا كله مشاهد ملموس في واقع الناس فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم أصبحت وزهرها يابس هشيم فبينا ترى الرجل من أهل الخير والصلاح ومن أرباب التقى والفلاح قلبه بطاعة ربه مشرق سليم إذا به انقلب على وجهه فترك الطاعة وتقاعس عن الهدى. وبينا ترى الرجل من أهل الخنا والفساد أو الكفر والإلحاد قلبه بمعصية الله مظلم سقيم إذا به أقبل على الطاعة والإحسان وسلك سبيل التقى والإيمان.

أيها الإخوة المؤمنون:

إن تذكر هذا الأمر لتطير له ألباب العقلاء وتنفطر منه قلوب الأتقياء وتنصدع له أكباد الأولياء كيف لا والخاتمة مغيّبة والعاقبة مستورة والله غالب على أمره والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال: (( فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ) ) (4) متفق عليه، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فيا عباد الله عليكم أن تجتهدوا في أخذ أسباب الثبات وأن تحتفوا بها علمًا بأن المقام جد خطير والنتائج لا تخالف مقدماتها والمسببات مربوطة بأسبابها وسنن الله ثابتة لا تتغير، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

أيها المؤمنون إننا في هذه العصور أحوج ما نكون إلى معرفة أسباب الثبات والأخذ بها، فالفتن تترى بالشبهات والشهوات والقلوب ضعيفة والمعين قليل والناصر عزيز وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سرعة تقلب أهل آخر الزمان لكثرة الفتن فقال: (( إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا ) ) (5) .

لكل واحد منكم أيها الحاضرون أذكر بعض أسباب الثبات عسى الله أن ينفعنا بها وأن يثبتنا بالقول الثابت.

فمن أسباب حصول الثبات على الحق والهدى والدين والتقى الشعور بالفقر إلى تثبيت الله - تعالى - وذلك أنه ليس بنا غنى عن تثبيته طرفة عين فإن لم يثبتنا الله وإلا زالت سماء إيماننا وأرضُه عن مكانها وقد قال مخاطبًا خير خلقه وأكرمهم عليه:"وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا" (6) وقال - تعالى:"إذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا" (7) وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يكثر من قوله: (( لا ومصرف القلوب ) ) (8) كما روى ابن ماجه بسند جيد مما يؤكد أهمية استشعار هذا الأمر واستحضاره.

ومن أسباب الثبات على الخير والصلاح الإيمان بالله - تعالى - قال - عز وجل:"يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة" (9) . والإيمان الذي وعد أهله وأصحابه بالتثبيت هو الذي يرسخ في القلب وينطق به اللسان وتصدقه الجوارح والأركان فليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل فالالتزام الصادق في الظاهر والباطن والمنشط والمكره هو أعظم أسباب التثبيت على الصالحات قال الله - تعالى:"وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا" (10) . فالمثابرة على الطاعة المداوم عليها المبتغى وجه الله بها موعود عليها بالخير والتثبيت من الله مقلب القلوب ومصرفها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت